محمد أمين

رئيس التحرير

 ما تزال بريطانيا تعيش أجواء الصدمة بعد الزلزال السياسي الذي غير الجغرافيا السياسية في البلاد باكتساح حزب المحافظين بقيادة بوريس جونسون لنتائج الانتخابات الأخيرة،وفوزه بالضربة القاضية إن صح التعبير على غريمه زعيم حزب العمال، وعلى خصومه داخل حزب المحافظين ذاته.

 جونسون هذا الثعلب " الكذاب" كما وصفه كارهوه استطاع الإطاحة برئيسي وزراء محافظين من حزبه وبزعيم أكبر حزب معارض، فقد أطاح جونسون بديفيد كاميرون عندما نجح في قيادة حملة التصويت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي عام ٢٠١٦،في الوقت الذي كان كاميرون يقود حملة البقاء ما أدى لاستقالة الأخير، ثم اجهز جونسون عقبها على ثيريزا ماي بعد ان تمرد عليها وجمع من حوله "البريكسزيتيين" من أقصى اليمين في الحزب وعزلها حتى ارهقت وانتهت في مشهد الاستقالة المذل باكية معلنة فشلها، وأخيرا اجهز جونسون المحافظ المثير للجدل بالضربة القاضية على زعيم حزب العمال بعد أن استدرجه لانتخابات نزل فيها متحصنا باتفاق في الجيب فيما نزل اليها كوربن بوعود وغموض وتردد قاتل.

 لعل من المسلم به هو اطلاق صفة " انتخابات البريكست" على تلك الانتخابات الحاسمة فهذا الملف الذي ارهق البريطانيين ٣ سنوات ونيف، صوت فيه الناخب لمن يعتقد أنه يملك في جيبه خطة لإخراجهم من دوامته، صوتوا لجونسون من أجل ان يخلصهم من لعنة بريكست التي لا يريدون أن يبقوا في طياتها شهورا وربما سنينا إضافية، فيما لم يكن جيرمي كوربن واضحا ولم يقدم حتى رأيا حاسما يوضخ حقيقة موقفه من البقاء أو المغادرة، ولم يكن يعلم أو ربما نسي الزعيم اليساري الكبير بأن الحياد في المعارك الكبرى يعني الفشل والانتحار الذاتي.

 وفي قراءة لنتائج ا الزلزال السياسي بحق، فإن هذه النتائج صادمة وغير متوقعة من جهة حجم الغالبية التي تحصل عليها حزب المحافظين ، فصحيح أنه لم يكن أحد يتوقع فوز حزب العمال لكن أيضا صحيح أن معظم المراقبين واستطلاعات الرأي حتى اللحظات الأخيرة كانت ترجح فوز المحافظين لكن بأغلبية ضئيلة، وأن السيناريو الأقرب هو " برلمان معلق".

ويمكن تفسير هذه النتيجة بالأسباب التالية برأيي : أولا أن هذه الانتخابات هي انتخابات بريكست بامتياز وأن الشاغل الأكبر والوحيد الذي كان يشغل بال البريطانيين على مدار الثلاث سنوات الماضية هو موضوع البريكست ، وحالة المد والجزر والتأجيل التي ملها البريطانيون وبالتالي فهم صوتوا لبوريس جونسون لأنه لديه رؤية واضحة حول الخروج من الاتحاد الأوربي باتفاق، كما حسم المحافظون قرارهم باتجاه الخروج باتفاق، فيما اختار جيرمي كوربن الحياد، وقال انه سيذهب اذا ما فاز للتفاوض من جديد مع الاتحاد الأوروبي ثم يعود للشعب ليقرر اذا ما اراد الخروج باتفاق او البقاء وانه شخصيا محايد وفي المعارك الكبرى الحياد ليس مفيدا بل بتقديري انتخار ذاتي كما أسلفت. 

ثانيا: هذه النتيجة بشكل أو بآخر هي استفتاء ثان يؤكد نتيجة استفتاء ٢٠١٦،ويعكس من جديد رغبة غالبية البريطانيين بمغادرة الاتحاد الأوروبي وهذا يأتي جراء تصاعد النزعة الوطنية الشعبوية. وثالثا: فإن برنامج حزب العمال الاقتصادي الذي طرحه جيرمي كوربن لتحقيق العدالة الاجتماعية ورفع الضريبة على الأغنياء لصالح الفقراء وتأميم بعض المؤسسات الحكومية جعل القوى الصلبة وقطاع المال والأعمال يصطف ضده، فحجم الضخ المالي والاعلامي ضده والتشويه الذي تعرض له الرجل غير مسبوق.

رابعا: دور اللوبي الصهيوني والحملة التي شنها اللوبي ضد كوربن ومحاولات وسمه بأنه معاد للسامية وتشويه صورته أسهمت في تشويه صورة الرجل.

 و أخيرا فإن البساطة التي خاطب بها جونسون الشعب البريطاني بأنه رسالته تتلخص في" Get Brexit Done" نجت في اقناعهم،وهو شعب مباشر ويحب الوضوح ولا يحب النقاشات الطويلة. وينبغي الاشارة إلى أنه ليس حزب العمال هو الخاسر الوحيد بل إن الديمقراطيين الأحرار كذلك خسروا ، فيما فاز الحزب الاسكتلندي والذي يعطي مؤشرا علي تنامي النزعة الانفصالية في بريطانيا.

أعتقد أن حزب العمال يحتاج الى التوقف مليا والتفكير في نتيجة هذه الانتخابات واجراء اصلاح شامل وأن الشيء الوحيد الجيد للحزب هو انه لم يتحمل وزر الخروج من الاتحاد الأوروبي، وبإمكانه بعد أربع سنوات أن ينزل بقوة ليحاسب المحافظين عما قروره خلال الاربعة سنوات المقبلة والتي هي ربما الأصعب بتقديري في حياة بريطانيا.