عرب لندن

تناولت حلقة جديدة من برنامج "بريطانيا اليوم" تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على الاقتصاد البريطاني، وذلك في حوار معمّق مع المحلل الاقتصادي الدكتور محمد حيدر، الذي قدّم قراءة شاملة للتأثيرات المباشرة وغير المباشرة على الأسواق العالمية والمحلية.

وأوضح حيدر أن الاقتصاد العالمي يواجه حالة متزايدة من "عدم اليقين"، نتيجة تعطل سلاسل الإمداد في منطقة تُعد من أهم مراكز الإنتاج والتصدير في العالم، لا سيما في قطاعات النفط، والغاز، والمواد الأولية. وأشار إلى أن ما بين 20% إلى 25% من إمدادات النفط العالمية تمر عبر مضيق هرمز، ما يجعل أي اضطراب في المنطقة ذا تأثير واسع النطاق.

وبيّن أن ارتفاع أسعار النفط، الذي قفز من نحو 60–70 دولاراً للبرميل إلى ما يقارب 100–115 دولاراً خلال فترة قصيرة، انعكس بشكل مباشر على أسعار الوقود في بريطانيا، حيث سجلت زيادة ملحوظة في أسعار البنزين والديزل. ولفت إلى أن هذه الزيادات لا تعود فقط إلى نقص الإمدادات، بل أيضاً إلى سياسات التسعير لدى شركات الطاقة الكبرى، إضافة إلى الضرائب المرتفعة التي تستفيد منها الحكومات.

وأكد حيدر أن التأثير لا يقتصر على الطاقة، بل يمتد إلى قطاعات صناعية حيوية تعتمد على واردات من الشرق الأوسط، مثل الأسمدة الكيماوية، والمواد البلاستيكية، والألمنيوم، إضافة إلى مواد تدخل في صناعة البطاريات مثل الجرافيت. وحذّر من أن أي انقطاع في هذه المواد قد يؤدي إلى تعطّل الإنتاج في عدد كبير من المصانع حول العالم.

وفي السياق ذاته، أشار إلى الخسائر الكبيرة التي تكبدتها مراكز صناعية وتجارية في المنطقة، مثل مدينة جبل علي الصناعية في الإمارات، والتي قُدّرت خسائرها بأكثر من 10 مليارات دولار، نتيجة تراجع حركة الاستيراد والتصدير. كما لفت إلى تضرر قطاعات الطيران والشحن والسياحة، حيث تكبد قطاع الطيران وحده خسائر تجاوزت ملياري دولار في الأسبوع الأول من الأزمة.

وعن انعكاسات ذلك على بريطانيا، أوضح حيدر أن نحو 80% من واردات البلاد تأتي من آسيا وشرق آسيا والدول الأوروبية وجنوب أفريقيا، ما يجعل الاقتصاد البريطاني معتمداً بشكل أساسي على هذه التكتلات الاقتصادية، في حين يتركز دور دول الخليج بشكل رئيسي في الطاقة، لا سيما النفط والغاز وبعض المواد الأولية المرتبطة بسلاسل الإمداد العالمية.

وفيما يتعلق بالطاقة، أشار إلى أن النفط والغاز القادم من الخليج يُستخدم ضمن منظومة تشمل التخزين والنقل، لافتاً إلى وجود محطتين للغاز القطري في بريطانيا تستقبلان شحنات الغاز المسال عبر بواخر كبيرة بشكل دوري، حيث يتم تخزين جزء منها كمخزون استراتيجي أو إعادة تصديره.

كما بيّن أن بريطانيا تعتمد أيضاً على مصادر غاز أوروبية ومحلية محدودة، إلا أن جزءاً كبيراً من الوقود والمشتقات النفطية يأتي من الخارج ضمن سلاسل التوريد الدولية.

وأشار إلى أن التحدي الأساسي لا يكمن في توفر المواد، بل في عمليات الشحن والنقل، حيث إن أي اضطراب في سلاسل الإمداد العالمية ينعكس مباشرة على الأسعار والأسواق، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وتراجع المخزونات لدى التجار، ما يؤدي تدريجياً إلى زيادة أسعار السلع الاستهلاكية.

وتوقع أن تشهد الفترة المقبلة ضغوطاً إضافية على المستهلكين، تشمل ارتفاع أسعار الطاقة والخدمات، وربما تعديلات في السياسات المالية، مثل الضرائب أو الإنفاق الحكومي. كما حذّر من احتمال تأثر أصحاب القروض، خصوصاً في حال قررت البنوك المركزية رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم.

وفيما يتعلق بالأسواق المالية، أشار إلى أن حالة عدم اليقين تؤدي إلى تقلبات حادة في أسواق الأسهم، حيث تتأثر قرارات المستثمرين بسرعة بأي تطورات سياسية، ما قد يؤدي إلى خسائر كبيرة خلال فترات قصيرة.

وختم حيدر بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة تتطلب وعياً مالياً أكبر من الأفراد، داعياً إلى ترشيد الإنفاق والتركيز على الأولويات، في ظل توقعات بأن تستمر التداعيات الاقتصادية للأزمة لفترة قد تمتد إلى عدة أشهر، إن لم تكن أطول.

السابق تراجع أسعار الوقود في بريطانيا للمرة الأولى منذ بدء صراع الشرق الأوسط
التالي بريطانيا تقترب من "الركود التضخمي" وسط تداعيات الحرب في إيران