محمد أمين - رئيس التحرير 

"اطلبوا العلم في الصين" يبدو أنه مثل أطاح به فيروس كورونا اللئيم، كما أن " كل الطرق" ما عادت تؤدي لروما. سقط هذان المثلان وسقطت معهما كذلك كثير من الأقنعة التي خدع بها بعض القادة شعوبهم في الشرق والغرب، لكننا في هذه المقالة سنركز على سقوط "الشعبويين"، خطابا ونهجا. ظاهرة الشعبوية ومن أبرز وجوهها حاليا الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، باتت اليوم مفضوحة مع أول أزمة أخفق الرجلان في التعامل معها، وفي الشرق يمكن التدليل على ذلك بظاهرة السيسي الذي بدى مهرجا في عرض غريب بإرسال وزيرة الصحة للصين، تصرف يعكس اختلالا عقليا محتملا بل مؤكدا لدى هذا الرجل. ولعل الأزمات ودراسة تصرف الشعبويين فيها هي أبرز مقياس يمكن من خلاله قياس مستوى الأداء، وسنخصص هذا المقال للحالة البريطانية حيث يمكن تلخيص خطة رئيس الوزراءالبريطاني لمواجهة "كورونا" بأنها "عدم وجود خطة"!. هذا الرجل الذي نجح بالكذب في خداع البريطانيين في الانتخابات الأخيرة، انكشف في أول معضلة تواجه المملكة تحت قيادته، فالشعبويون عبارة عن فقاعات وظاهرة صوتية فارغة، يفتقدون الحكمة، وروح المسؤولية، ويغامرون بكل شيء، العجيب أن كبار السن الذين انتخبوه قرر أن يضحي بهم ويسلمهم للموت دون ذرة أخلاق. الشعبوية التي عادت مطلع الألفية بعد انكفاءها عقب الحرب العالمية الثانية، مازالت تؤشر وتبشر بإعطاب النظام الديمقراطي الغربي، ويشعر المراقب لأداء القادة الشعبويين بأن عدوى العالم الثالث انتقلت لأوروبا، بذات المضامين القومية الناصرية، أو الجماهيرية القذافية، وتحولت إلى حركات شعبية بإيحاءات وطنية واجتماعية، لكن حقيقية مكنونها لا يعبر إلا عن عجز في النظام الديمقراطي. وعقب انكفائه في الغرب منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية عاد مصطلح "الشعبوية" في ثمانينيات القرن الماضي، مع عودة المحافظين إلى الحكم في عهد مارغريت تاتشر في بريطانيا ،ورونالد ريغان في أمريكا، لكن مطلع الألفية الثالثة شهد ذروة عودتها لتصدر المشهد السياسي، حيث عادت الحركات الشعبوية لتتقدم مع الأزمات المالية التي مرت بها تلك البلدان، والتي التقفتها لتروج لسردية مسؤولية المهاجرين عن اخفاق الاقتصاد والحاجة لإرصاد الأبواب في وجههم، وعملت على اذكاء النزعات القومية والوطنية، والمحلية كرد على سياسات الانفتاح والأسواق المشتركة، ولعل استفتاء ٢٠١٦ في بريطانيا حول الخروج من الاتحاد الأوروبيكان مؤشرا بالغ الأهمية على الذروة التي وصل إليها ذلك الخطاب،والذي توج انتصاره في ديسمبر ٢٠١٩ بالتفويض غير المسبوق لعراب الطلاق البريطاني الأوروبي رئيس الوزراء الحالي بوريس جونسون. ومنذ حملته المناصرة للخروج من الاتحاد، استعمل جونسون خطابا سطحيا، عاطفيا، قدم الرجل خلال تلك الحملة معلومات مغلوطة وخاطئة، حول الفاتورة الأسبوعية التي تدفعها لندن لبروكسل، واستفاد جونسون من هيمنة الاتحاد الأوروبي على سياسة الدول الأوروبية، وفوبيا الخوف من تدفق اللاجئين في الترويج لخطاب شعبوي يستند إلى معاداة الهجرة، والتمرد على التكتلات المشتركة، وروح العزلة والانغلاق، وهو الخطاب الذي أوصله لسدة رئاسة الوزراء، لكن حالة جونسون التائه اليوم في مواجهة كورونا هي دليل إضافي على افتقار أصحاب الخطابات الشعبوية لروح القيادة، وسقوطهم عند أول اختبار. وفي الوقت الذي جهدت مبكرا الدول الأوروبية وكوريا الجنوبية والصين وغيرها في اتخاذ إجراءات صارمة لمواجهة انتشار الوباء، ويمكن الآن الحديث عن نجاح صيني في احتوائه، يصر رئيس الوزراء على رفض تعليق الدراسة، ويواصل الطلب من الأهالي إرسال أبنائهم للمدارس، الأمر الذي يجعل سكان المملكة يتساءلون عن جدية الرجل في مواجهة الكارثة التي حلت ببلادهم وبالعالم من حولهم، كما أن نظرية مناعة القطيع التي يتحدث عنها بأن يصاب ٨٠٪ من البريطانيين بالفايروس لتتشكل لديهم مناعة ضده، هي عبارة عن مقامرة بأرواح الناس محفوفة بمخاطر لا يوجد حتى الآن دليل علمي على حتمية نجاحها وفقا لتصريحات منظمة الصحة العالمية. فيروس كورونا سينتهي اليوم أو غدا، فبينما نكتب هذه السطور يقوم علماء أمريكيون وألمان وصينيون بتجريب لقاحات جديدة على عدد من المتطوعين كما أن انحساره هو أمر حتمي كذلك مطلع الصيف وفق تقارير منظمة الصحة العالمية، إلا أن هذه الآفة كشفت عن عجز المملكة المتحدة في إعداد خطط للتعامل مع هذه الأزمة وهشاشة النظام الصحي فيها، كما أن هذا الأزمة كشفت ضعف وهشاشة القادة الشعبويين ومدى رداءة أدائهم في إدارة الأزمات،وكشف هذه الأزمة كذلك حقيقة بالغة الأهمية،وهي ضرورة تكاتف الجهود الدولية والتنسيق بين كل سكان هذا الكوكب بعيدا عن الخلافات السياسية، فالحياة هي حق للجميع ولا يمكن ضمان هذا الحق دون تكاتف الجميع، فالموت فالوباء لا يفرق بين جنس وآخر، أو لون وآخر، والموت يحصد في المحصلة بلا رحمة.