حلمي الحراحشة
رئيس المنتدى الأردني في بريطانيا

في ظل التحولات السياسية والاجتماعية المتسارعة التي تشهدها المملكة المتحدة، تبرز الجالية العربية كجزء أصيل من النسيج البريطاني الحديث، ليس باعتبارها حضوراً مهاجراً فحسب، بل شريكاً فاعلاً في البناء والمسؤولية وصناعة المستقبل. فعلى مدى عقود، أثبت أبناء الجالية أن اندماجهم لم يكن شكلياً أو عابراً، بل قائماً على العمل الجاد، والكفاءة المهنية، والالتزام بقيم المجتمع البريطاني ومؤسساته.

اليوم يحتل العرب مواقع متقدمة في المهن الأساسية التي يقوم عليها استقرار الدولة وتقدمها. ففي مستشفيات هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) يعمل آلاف الأطباء والاستشاريين من أصول عربية، يسهمون يومياً في إنقاذ الأرواح وتطوير جودة الرعاية الصحية. وفي الجامعات ومراكز الأبحاث، يشارك الأكاديميون العرب في إنتاج المعرفة وصياغة الفكر العلمي، بينما يشكل المهندسون والخبراء جزءاً مهماً من مشاريع البنية التحتية والتكنولوجيا والطاقة، مساهمين في دفع عجلة التنمية والابتكار.

وإلى جانب هذا الحضور المهني المتميز، تلعب المشاريع الصغيرة والمتوسطة المملوكة لأبناء الجالية دوراً اقتصادياً وثقافياً بارزاً. فمن المتاجر المحلية إلى المطاعم والمقاهي والمشاريع العائلية، يساهم رواد الأعمال العرب في تنشيط الأسواق المحلية، وخلق فرص العمل، ودعم الاقتصاد البريطاني من خلال الاستثمار ودفع الضرائب وتحريك عجلة التجارة. كما أصبحت المطاعم العربية ومراكز الضيافة فضاءات للتلاقي الثقافي، تعرّف المجتمع البريطاني على المطبخ العربي وتراثه الموسيقي والاجتماعي، مما يعزز التفاهم المتبادل والتنوع الثقافي الذي تتميز به بريطانيا.

هذا الإسهام الواسع لم يكن صدفة، بل نتيجة مسيرة من الاجتهاد والمثابرة والالتزام الإيجابي. ومع ذلك، فإن هذا الثقل المهني والاقتصادي لم يكن، حتى وقت قريب، مصحوباً بتمثيل سياسي يتناسب مع حجمه وتأثيره.

شهدت السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، مع انخراط عدد متزايد من أبناء الجالية في المجالس المحلية والعمل الحزبي والمجتمعي. وشكلت مشاركة عدد من المرشحين العرب في الانتخابات البرلمانية لعام 2024 محطة مهمة كسرت حالة الجمود، وأكدت أن الطريق إلى التأثير يمر عبر المشاركة الديمقراطية والعمل المنظم داخل مؤسسات الدولة.

إن تطلع الجالية العربية إلى الوصول إلى البرلمان في انتخابات عام 2029 ليس طموحاً فئوياً، بل امتداد طبيعي لمسار من العطاء والمسؤولية. فجالية تسهم في خدمة النظام الصحي، وتطوير التعليم، وتعزيز الاقتصاد، ودعم الحياة الثقافية، تمتلك من الكفاءات والخبرات ما يؤهلها لتحمل مسؤولية أوسع في صناعة القرار التشريعي. والمشاركة الفاعلة داخل الأحزاب السياسية التي تؤمن بقيم العدالة والمساواة واحترام التعددية تمثل الإطار الأمثل لتعزيز القضايا الداخلية، من دعم الاندماج والتعليم وتمكين رواد الأعمال، إلى الإسهام المتوازن في نقاشات السياسة الخارجية ضمن المصالح البريطانية وقيمها الديمقراطية.

إن ما نطمح إليه هو تمثيل يعكس نضج الجالية ووعيها بدورها الوطني، ويؤكد أن الانتماء لبريطانيا يتكامل مع الاعتزاز بالجذور الثقافية ولا يتعارض معها. فالتعددية التي تميز المجتمع البريطاني كانت دائماً مصدر قوة، والجالية العربية جزء فاعل من هذه القوة.

لقد أثبتنا قدرتنا على العطاء في المجالات الإنسانية والعلمية والاقتصادية، وآن الأوان لترجمة هذا الحضور إلى مشاركة سياسية أوسع ومسؤولة تعزز قيم الشراكة والمواطنة الفاعلة. فبريطانيا التي منحت الفرص والاستقرار لأبنائنا تستحق أن نكون شركاء في رسم مستقبلها، لا مجرد متابعين لمساره.

السابق ماذا لو كان إبستين مسلما!؟
التالي الحاجب لا يعلى على العين" حكمة جدتي