محمد أمين

رئيس تحرير منصة “عرب لندن”

يواجه المسلمون في الغرب تحديات متعددة وغير مسبوقة، أهمها صعود التيار اليميني الشعبوي المتحالف مع الحركة الصهيونية، ويناصب ذلك التيار اليميني المتطرف العداء للمهاجرين ويحملهم المسؤولية عن الأزمات الاقتصادية في البلاد، كما يرى فيهم تهديدا ديموغرافيا. 

 “الحركة الصهيونية فتنطلق في عدائها للمهاجرين العرب والمسلمين من قلق باتت تستشعره جراء تأثير تلك الأقليات المسلمة في الغرب في تغيير موقف حكوماته من القضية الفلسطينية على وجه الخصوص

ومجمل قضايا منطقة الشرق الأوسط، فلدى إسرائيل قناعة بأن الجاليات العربية والمسلمة كانت جزءً  فاعلا ومؤثرا في الحراك الذي تواصل على مدار عامين كاملين ضد حرب الإبادة، وقبل ذلك على مدار سنوات طويلة من التضامن مع الشعب الفلسطيني. 

هذا السُّعار والهجوم على العرب والمسلمين والتحريض الواسع الذي تمارسه إسرائيل عليهم في الغرب يهدف لاستعادة واحتكار "رواية الضحية"، وتسعى تل أبيب في سبيل تحقيق ذلك لقلب الحقائق وخلق عدو وخصم وهميللغرب يتمثل في الإسلام والمسلمين، وذلك لطمس فضائع حرب الإبادة التي ارتكبتها، وصياغة رواية بديلة مفادها أنها قوة متحضرة تحارب "التطرف والإرهاب"، كما يعمل اللوبي الصهيوني على  تقديم إسرائيل كخط دفاع أول عن الغرب.

"تعد الزيارة التي قام بها تومي روبنسون زعيم اليمين المتطرف في بريطانيا لإسرائيل، تعد مثالا واضحا على دعمها واستثمارها في اليمين المتطرف الشعبوي البريطاني والأوروبي"

حيث التقى روبنسون في تل أبيب حاخامات يهود، وعبّر عن دعمه لإسرائيل، ورفع في مظاهراته التي قادها في بريطانيا أعلام إسرائيل وأحرق أعلام فلسطين، كما رفع شعارات معادية للعرب والمسلمين.

 ويطالب اليمين في أوروبا بإغلاق الأبواب أمام المهاجرين عموما وتحديدا من المشرق العربي والعالم الإسلامي،وإلى منع تنامي الوجود الإسلامي، وينطلق في ذلك من نظرة عنصرية باعتبار أن القارة الأوروبية بيضاء ويجب أن تعود كذلك، إضافة لأسباب اقتصادية حيث يعتقد أن المهاجرين هم المسؤولون عن التردي الاقتصادي الذي تعيشه القارة الأوروبية، وتستعمل إسرائيل ولوبياتها هذه الدعاية وتشجعها وتضيف لها دعاية ممنهجة تظهر أن المسلمين  تهديد أمني، وأن الإسلام دين عنف وتطرف، ويجب مواجهته، وتَسِم الفلسطينيين ب "الإرهاب"، وهي استراتيجية ترمي لتوفير الدعم الكامل لإسرائيل واطلاق يدها في الشرق الأوسط باعتبارها " رسول الديمقراطية والتحضر وحارس السلام والأمن"، ولكن سنتان من الإبادة بدَّدَت إلى حد كبير رواية إسرائيل، وكشفت وجهها الحقيقي كدولة تمارس الإبادة وتنتهج سياسة العقوبات الجماعية، ولذلك تستعر آلتها الدعائية الآن في محاولات حثيثة لاستعادة تلك الصورة التي لم يعد من السهل إعادة ترميمها.

 المطلوب من  العرب والمسلمين في الغرب مواصلة الحراك وعدم الاستسلام للتهديدات وحملة التخويف التي تقودها إسرائيل، عليهم العمل والمثابرة لتنظيم أنفسهم والانخراط في الأحزاب السياسة والاندماج في الحالة الغربية ، عليهم كذلك الاستفادة من تجربة الانتخابات الماضية في بريطانيا على سبيل المثال حيث شارك المسلمون والعرب كمرشحين وناخبين بشكل إيجابي جدا، ونجح سبعة نواب مسلمين في حصد مقاعد جراء دعمهم للقضية الفلسطينية والقضايا العادلة رغم هجمة اللوبي، وكذلك يحتاجون برأيي لبناء شراكات وتحالفات واسعة مع المؤمنين بالحريات عبر العالم،  فالتغيير في اتجاهات الرأي العام في الغرب كبير.

يتوجب على الجيل الشاب من أبناء الجاليات الانخراط في الأحزاب السياسية وقيادة حركة توعية في الجامعات البريطانية

 فالحل بأن تدار المعركة مع الحركة الصهيونية ليست كمعركة بين الفلسطينيين والاحتلال الإسرائيلي،أو العرب وإسرائيل، وإنما كمعركة بين كل المؤمنين بالعدالة والحريات في العالم، بمقابل معسكر العنصرية والإقصاء ،وهناك فرصة كبيرة في الغرب ينبغي البناء عليها واستثمارها وعدم تفويتها لأن تضييعها يعني خذلان النضال الشعب الفلسطيني وحركة التضامن العظيمة التي ساندته.

 أخيرا نحن كعرب ومسلمين في بريطانيا تحديدا بدأنا خطوات جادة نحو المشاركة السياسية الفعالة، ويقود مؤتمر الجالية العربية في بريطانيا حراكا واسعا لتمتين جبهة الجالية وتوحيد جهودها والتأثير السياسي والانخراط المجتمعي الإيجابي، و ويحتاج البريطانيون العرب كما كل الجاليات في الغرب لتوحيد الرواية والإيمان واليقين بأن معركتهم واحدة، وأن الانتصار فيها ليس ممكن فقط بل مرجح، لكنه مشروط بالوحدة والتنسيق المشترك، يحتاجون كذلك لمؤسسات تمول وتدعم حراكهم كتلك التي أسستها الحركة الصهيونية مبكرا، وأن نكون جسرا لقضايا بلداننا وأوطاننا، ولكي ننجح في ذلك يجب أن ننجح في الاندماج الإيجابي، مع تنسيق جهودنا وتذكر دوما أننا نواجه تحديات واحدة وأن مصيرنا مشترك، وأننا جالية واحدة وليس جاليات.

السابق انشقاق المحافظين وصعود حزب الإصلاح: أزمة مبادئ أم حسابات مصلحة؟
التالي ثلاثون سنة انتظار: كيف تحوّل حلم الإقامة الدائمة في بريطانيا إلى طريق لا نهاية له؟