كيف صوت المسلمون البريطانيون في انتخابات "هولبورن"؟
بقلم / محمد أمين
رئيس تحرير منصة عرب لندن
تبدو تجربة الانتخابات في هولبورن واحدة من المنازلات التي تحتاج لدراسة وفحص واستخلاص الدروس والعبر منها، فالدائرة شهدت نزول مرشحين من حزبيين هما من الأحزاب الصديقة للعرب والمسلمين، ومرشحان داعمان لفلسطين والمسلمين عموما، مع موقف متقدم جدا لزعيم حزب الخضر البريطاني زاك بولانسكي.
وحيث تستحضر هذه التجربة، فإن ما يلزم الانتباه له هو الحرص على عدم تشتيت أصوات المسلمين، لأن المستفيد الوحيد من هذه الظاهرة هو حزب نايجل فراج "الإصلاح" المتربص بالمسلمين والمهاجرين عموما. وإن انتهت الانتخابات بفوز المرشحة الصومالية المسلمة سغال عبد الولي، ذات السجل القوي في دائرتها الانتخابية، فإن خسارة صديق قوي لفلسطين وهو بولانسكي، يجب أن تفحص جيدا، فهذا الزعيم الذي أقر حزبه قبل أسبوع موقفا غير مسبوق باعتبار " الصهيونية حركة عنصرية"، له في رقبتنا جميعا التزام بضرورة الوقوف معه في محطاته المقبلة، ولا يعني ذلك أن عبد الولي ليست صديقة للمسلمين، إنما ينبغي دعمها والوقوف إلى جانبها بعد فوزها، لكن مع ضرورة أن يعقد العرب والمسلمون وأنصار فلسطين العزم على دعم بولانسكي في محطاته المقبلة، وعدم تركه وحيدا.
الانتخابات هي الانتخابات كما يقال، فقبل فوز عبد الولي، كان الموقف الأسلم بتقديري هو دعم بولانسكي وعدم السماح بخسارته فرصة دخول البرلمان، وخاصة أن المقعد الذي يتم التنافس عليه هو مقعد ذو رمزية خاصة كونه يعود لرئيس الوزراء السابق كير ستارمر الداعم لإسرائيل والذي وقف مع الإبادة في شهور الحرب الأولى، ووافق حينها على قطع الكهرباء والماء عن غزة، لذلك فوز بولانسكي – لو حدث- صديق فلسطين سيكون ذا رمزية خاصة، وفيه نفس عقابي لستارمر، ولهذه المشهد رمزيته البالغة.
لكن وحيث أن مرشحة العمال قد فازت، فينبغي دعمها ومعيارنا في ذلك هو تمتين قوة الأحزاب التقدمية والتي تتصدى لليمين المتطرف، فأسوء شيء كان يمكن أن يحصل هو فوز نايجل فراج، وعليه فإن فوز ساغال هو فوز كذلك لفلسطين وللمسلمين بالنظر للموقف المتقدم للعمال بنسخته " الآندي بيرنامية الميليباندية" والمواقف الصلبة الأخيرة لوزير الخارجية إد ميلباند، وعليه فإن المعيار الأهم والذي يجب أن تتفق عليه الجالية في قبيل الانتخابات المقبلة: هو منع حزب " الإصلاح" المتطرف من الفوز، هذا هو المحدد الذي يجب أن يتحد الجميع حوله برأيي.
وبالعودة لمنازلة "هولبورن وسانت بانكراس" بشمال لندن ، فإن من الواجب الاستفادة من هذا الدرس للتحضير للانتخابات العامة القادمة، والتي ربما تكون قبل موعدها، فاحتمالات دعوة رئيس الوزراء لانتخابات مبكرة مزهوا بشعبيته لا زالت قائمة، وهنا تكمن أهمية أن يحزم العرب والمسلمون أمرهم ويقرروا الاتحاد على هدفين أساسيين: الأول منع فوز اليمين المتطرف المعادي للمسلمين والمهاجرين والمتحالف مع الصهيونية، وذلك بعقد العزم على دعم حزب العمال وعدم تكرار أخطاء مسلمي أمريكا والتي أفضت لفوز دونالد ترامب، والهدف الثاني وهو تكريم أصدقاء فلسطين من الأحزاب الأخرى وخاصة أصحاب المواقف المبدئية مثل زاك بولانسكي، نحتاج لزاك ولأصوات كثيرة مثل صوته في البرلمان، حتى لو كانت فرص تلك الأحزاب ليست كبيرة في تشكيل الحكومة، لكنها أصوات مؤثرة ومهمة وملهمة داخل قبة البرلمان.
وبفحص كيفية تصويت المسلمين، فقد انقسم المسلمون في هولبورن بين معسكرين:
الأول رأى في التغير الأخير في مواقف قيادات حزب العمال من القضية الفلسطينية، ولاسيما خطاب وزير الخارجية إد ميليباند في المؤتمر العام سببا قويا للبقاء في الحزب والتصويت له، بينما رأى آخرون أن مواقف زاك بولانسكي وقرار الخضر الأخير اعتبار الصهيونية حركة عنصرية هو أكثر تقدما ومبدئية فصوت للخضر انطلاقا من ذلك.
وكذلك الانقسام كان في مستوى ثان: بين من صوت لمرشحة العمال على اعتبار أنها مسلمة محجبة قريبة منهم، وبين من صوت للخضر انطلاقا من موقفهم المتقدم من فلسطين.
ولا تتوافر إحصاءات رسمية تكشف كيفية تصويت المسلمين في الانتخابات، إذ لا تتضمن النتائج الانتخابية المعتادة بيانات عن الدين أو الخلفية الإثنية للناخبين، لذلك لا يمكن تحديد عدد المسلمين الذين صوتوا للخضر أو العمال، ولا قياس حجم التحول بين الحزبين استنادًا إلى النتائج وحدها.
ومع ذلك، برز الناخبون المسلمون بوصفهم إحدى الفئات التي سعى الحزبان إلى استقطابها. وتضم الدائرة مجتمعات مسلمة متنوعة، بينها جاليات بنغلاديشية وصومالية وعربية، ويشكل المسلمون نحو 20% من سكانها، وفق بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية.
وبحسب صحيفة "ذا ناشيونال"، ركز الخضر في حملتهم على القضية الفلسطينية، واستخدموا منشورات انتخابية تضمنت تأييدًا من حملة "الصوت المسلم"، إلى جانب شعارات باللغتين البنغالية والصومالية. كما ظهر بولانسكي في زيارات ميدانية إلى متاجر ومناطق سكنية تضم أبناء الجالية الصومالية، حيث تحدث أنصاره مع السكان عن فلسطين وأداء حزب العمال.
وفي المقابل، سعت مرشحة العمال، ساغال عبد الولي، إلى استقطاب أبناء الجالية الصومالية، مستفيدة من خلفيتها الشخصية؛ فهي صومالية مسلمة وصلت إلى بريطانيا لاجئة، وتتولى رئاسة مجلس كامدن المحلي. كما ركزت حملتها على قضايا الخدمات المحلية والفيضانات ومحاسبة شركة المياه Thames Water عن فيضانات تسبب بخسائر للمدينة، ودعم نقلها إلى الملكية العامة.
وبالمحصلة فإن فوز مرشحة عمالية تتبنى مواقف تقدمة فيما يتعلق بالجالية المسلمة وبقضايا العدالة وفي القلب منها قضية فلسطين هو فوز للجالية العربية والمسلمة، وكذلك فإن خسارة بولانسكي ليست نهاية لمشواره السياسي، فلنتذكر بأن نايجل فاراج احتاج لثمان محاولات للوصول للبرلمان.
وترى "الغارديان" في تقرير تحليلي للانتخابات الأخير بأن النتيجة لا تضع بولانسكي بالضرورة تحت ضغط كبير، إذ كان سيناريو انهيار تصويت الخضر سيجعله في موقف أصعب، بينما تتيح له النتيجة الحالية العمل على طمأنة منتقديه داخل الحزب والاستعداد لإعادة انتخابه وفق نظام القيادة المعمول به.
وحصل بولانسكي على قرابة تسعة آلاف صوت في هولبورن وسانت بانكراس، لتبقى الخلاصة أن الحزب حافظ على حضوره الانتخابي ،كما حصد مزيدا من أصوات الشباب والمسلمين جراء مواقفه الواضحة من القضية الفلسطينية، وتحديدا قراره الأخير باعتبار الصهيونية حركة عنصرية بحسب حملة الصوت المسلم، كذلك فازت مرشحة حزب العمال مدفوعة بارتفاع شعبية الحزب بسبب مواقفه الأخيرة تجاه فلسطين، ففلسطين باتت رافعة لكل من يتبنى موقفا إيجابيا تجاه قضيتها، والمسلمون باتوا كتلة تصويتية مهمة، وهذا كله يؤكد على أهمية صوت الجالية العربية والمسلمة، وعلى ضرورة أن نرتب صفوفنا قبل الانتخابات المقبلة، فانتخابات 2024 كانت برأيي تحولا تاريخيا وبداية تأثير حقيقي، فلتكن الانتخابات المقبلة هي موسم الحصاد والتغيير الحقيقي.