بقلم المستشار علي القدومي

عندما كبرت البيوت… وضاقت مساحات اللقاء

جاءتني فكرة كتابة هذا المقال وأنا أجلس مع صديقي الأستاذ محمد أمين، نتحدث عن أيام زمان، وعن تلك التفاصيل الصغيرة التي ربما كانت تبدو عادية في وقتها، لكنها اليوم أصبحت ذكريات لها طعم مختلف.

تحدثنا عن السفر تحديداً.

كيف كان أحدنا إذا قرر السفر، تتحول المناسبة إلى حدث عائلي كامل. الأهل، والإخوة، والأقارب، وأحياناً الجيران أيضاً، يذهبون إلى المطار للوداع. ترى مجموعة كبيرة تقف حول المسافر، توصيه، وتدعو له، وتمازحه، وتخفي حزنها خلف الابتسامات.

وإذا عاد إلى الوطن، كانت الفرحة تبدأ قبل وصوله بساعات.

يتفق الجميع على موعد الذهاب إلى المطار. تمتلىء السيارات بالأهل والأقارب، وربما بالجيران والأصدقاء أيضاً. وما إن يظهر القادم من بوابة الوصول حتى تبدأ الأحضان والضحكات والدموع والأسئلة.

كان المسافر يشعر أنه عاد إلى أهله فعلاً.

أما اليوم، ففي كثير من الأحيان، يسافر الإنسان ويودعه شخص واحد أو شخصان، ويعود فيستقبله شخص واحد أو شخصان أيضاً، أو ربما لا أحد!.

والبقية؟

يرسل أحدهم رسالة: “الحمد لله على السلامة”.

ويضع آخر قلباً أو وردة على الهاتف.

وربما يقول ثالث: “سامحني، كنت مشغولاً.”

ومن هنا بدأ السؤال بيني وبين صديقي:

ماذا حدث لنا؟

هل تغير الزمان إلى هذه الدرجة؟

أم أننا نحن الذين تغيرنا؟

كثيراً ما نقول: “يا ليت أيام زمان تعود.”

نقولها عندما نتذكر بيتاً صغيراً كان يتسع للجميع، ومائدة بسيطة كانت تجمع العائلة، وأبواباً لم تكن تُغلق في وجه قريب أو جار، وقلوباً لم تكن تحتاج إلى موعد مسبق حتى تلتقي.

لكن السؤال الحقيقي هو:

هل الزمان هو الذي أخذ منا هذه الأشياء… أم أننا تركناها نحن واحدة بعد الأخرى؟

في الماضي، لم تكن الحياة سهلة كما قد نتصورها اليوم.

لم تكن البيوت واسعة، ولا الأموال كثيرة، ولا وسائل الراحة متوفرة بالشكل الذي نعيشه الآن.

ومع ذلك، كان هناك شيء يجعل الحياة أكثر دفئاً.

كان البيت صغيراً… لكن أهله كثيرون.

كانت الغرفة الواحدة تجمع أكثر من شخص، وربما أكثر من جيل.

لم يكن أحد يشتكي كثيراً من ضيق المكان، لأن مساحة القلوب كانت أكبر من مساحة الغرف.

كان الإخوة ينامون في غرفة واحدة، ويتشاجرون أحياناً، ثم يتصالحون بعد دقائق، لأن الحياة نفسها كانت تجمعهم طوال الوقت.

أما اليوم، فأصبح لكل شخص غرفته، وهاتفه، وشاشته، وعالمه الخاص.

كبر البيت…

لكن اللقاء قلّ.

زادت الغرف…

لكن الجلسة العائلية أصبحت أندر.

أصبحت وسائل الاتصال أسرع…

لكن التواصل الحقيقي أصبح أضعف.

كنا نجلس حول صحن واحد.

لم تكن المسألة مجرد طريقة للأكل.

كان الصحن الواحد يحمل معنى المشاركة.

كان يقول دون كلمات: ما عندنا للجميع.

كانت الأم تضع الطعام، فيجتمع الأبناء حوله، ويأكل الجميع معاً، ويتحدثون ويضحكون.

ربما كانت الوجبة بسيطة جداً، لكنها كانت مليئة بشيء لا يُشترى بالمال:

الألفة.

اليوم قد تمتلئ المائدة بأصناف كثيرة، لكن أحد الأبناء يأكل في غرفته، والآخر منشغل بهاتفه، والثالث مستعجل، والأب يتابع عملاً، والأم تحاول أن تجمع عائلة تعيش تحت سقف واحد، لكن كل شخص منها يعيش في عالم مختلف.

فهل المشكلة في الصحن؟

بالطبع لا.

المشكلة أننا فقدنا شيئاً من معنى الاجتماع.

وكما تغيرت المائدة، تغيرت الزيارة.

في الماضي، كان الجار جزءاً من البيت.

يعرف متى مرض أحد.

ويعرف متى عاد شخص من سفر.

ويعرف متى هناك مناسبة سعيدة أو حزينة.

إذا مرض رجل، سألوا عنه.

إذا عاد شخص من سفر، ذهبوا للسلام عليه.

إذا توفي أحد، وقف الحي كله مع أسرته.

وإذا تزوج ابن أحدهم، فرح الجميع.

أما اليوم، فقد نعيش سنوات في بناية واحدة ولا نعرف اسم الجار الذي يسكن خلف الجدار.

قد نراه كل صباح.

نركب المصعد معه.

نقول: “صباح الخير.”

ثم يغلق كل منا بابه ويعود إلى عالمه.

فهل تغيرت الجدران؟

أم تغيرنا نحن

حتى السفر، الذي كان يوماً مناسبة تجمع الناس، أصبح اليوم أكثر فردية.

كانت رحلة المطار نفسها ذكرى.

الأطفال يذهبون لأن قريبهم مسافر.

الكبار يذهبون احتراماً ومودة.

الجيران يرافقون العائلة.

وفي طريق العودة، يستمر الحديث عن المسافر وعن موعد رجوعه.

واليوم، ربما نعتبر الذهاب إلى المطار عبئاً.

نقول: الزحمة.

المواقف غالية.

الوقت لا يسمح.

هناك عمل.

هناك التزام.

وكل هذه الأسباب قد تكون حقيقية.

لكن عندما تتكرر دائماً، لا بد أن نسأل أنفسنا:

هل أصبح وقتنا أغلى من مشاعر من نحب؟

كانت الصداقة أيضاً مختلفة.

لم يكن الصديق مجرد اسم بين مئات الأسماء على الهاتف.

كان الصديق يعرف بيتك وأهلك وظروفك.

كان يزورك دون أن يسأل أولاً إن كنت “متاحاً”.

كان يطرق الباب، فيقال له:

“أهلاً وسهلاً، البيت بيتك.”

اليوم نملك وسائل اتصال لم يكن أجدادنا يتخيلونها.

نستطيع الوصول إلى شخص في آخر الدنيا خلال ثانية.

لكننا قد نعجز عن زيارة أخ يعيش على بعد عشر دقائق.

نستطيع إرسال رسالة إلى مئات الأشخاص بضغطة واحدة.

لكننا أحياناً لا نجد وقتاً لمكالمة شخص واحد نعرف أنه يحتاج إلى سماع صوتنا.

أين ذهبت العِشرة؟

هذه الكلمة التي تحمل في داخلها سنوات من المواقف والخبز والملح والذكريات.

العشرة ليست مجرد معرفة طويلة.

العشرة أن تتذكر من وقف معك.

أن تصبر على تقصير صديق.

أن تغفر لأخ.

أن تختلف مع قريب ولا تهدم تاريخاً كاملاً بسبب خلاف عابر.

أما اليوم، فنرى أحياناً صداقات تنتهي برسالة.

وأقارباً يتقاطعون بسبب كلمة.

وإخوة لا يتحدثون بسبب خلاف مادي.

وأصدقاء عمر يبتعدون لأن أحدهم لم يحضر مناسبة أو تأخر في الرد.

أصبحت بعض العلاقات هشة بطريقة مؤلمة.

وكأننا نسينا أن البشر ليسوا كاملين.

وأن العشرة تعني أيضاً أن نتحمل بعضنا بعضاً.

لكن هل التطور هو المسؤول؟

جزئياً ربما.

الحياة أصبحت أسرع.

أعمالنا أكثر تعقيداً.

المسافات داخل المدن أصبحت مرهقة.

الناس لديهم التزامات أكثر.

والتكنولوجيا دخلت في كل تفصيل من حياتنا.

لكن لا يمكن أن نضع كل الذنب على التطور.

التكنولوجيا لا تمنعنا من زيارة أهلنا.

والهاتف لا يمنعنا من الجلوس مع أبنائنا.

والبيت الكبير لا يمنعنا من الاجتماع في غرفة واحدة.

والسيارة لا تمنعنا من الذهاب لاستقبال عزيز في المطار.

المشكلة ليست فيما نملك.

المشكلة في الأولويات التي نضعها.

لقد أصبحنا نملك أكثر…

لكننا أحياناً نعطي من وقتنا أقل.

ولنكن منصفين أيضاً.

ليس كل ما كان في الماضي جميلاً.

كانت هناك عادات يجب أن تتغير.

وكانت هناك صعوبات وقيود كثيرة.

والحاضر أعطانا فرصاً أكبر في التعليم والعمل والعلاج والسفر والاختيار.

لذلك، ليس المطلوب أن نعود إلى الماضي حرفياً.

لا أحد يطلب منا أن نترك بيوتنا الحديثة أو هواتفنا أو سياراتنا.

المطلوب شيء أبسط وأعمق:

أن نأخذ معنا إنسانية الماضي إلى حياة الحاضر.

أن نعيش في بيت كبير… لكن نجتمع.

أن يمتلك كل شخص هاتفاً… لكن يعرف متى يضعه جانباً.

أن نسافر… لكن يبقى للوداع معنى.

أن نعود… فنجد من ينتظرنا.

أن ننشغل… لكن لا نجعل الانشغال عذراً دائماً.

ربما لا نستطيع إعادة أيام زمان.

فالزمن لا يعود.

والبيوت القديمة قد اختفت.

وأشخاص أحببناهم رحلوا.

والأحياء تغيرت.

لكننا نستطيع إعادة المعاني.

نستطيع أن نتصل بصديق قديم.

أن نزور قريباً بلا مناسبة.

أن نسأل عن جار.

أن نذهب لاستقبال شخص عائد من السفر، حتى لو كان يستطيع طلب سيارة من التطبيق.

لأن المسألة ليست في وسيلة النقل.

المسألة في أن يرى وجهك أمامه عندما يصل.

نستطيع أن نودع عزيزاً في المطار، ليس لأنه لا يستطيع السفر وحده، بل لأننا نريد أن نقول له:

أنت مهم بالنسبة لنا.

وأحياناً أفكر:

ماذا سيتذكر أبناؤنا عنا بعد ثلاثين سنة؟

هل سيقولون:

كنا نجتمع كل مساء؟

كنا نزور أعمامنا وأخوالنا؟

كنا نستقبل أقاربنا عندما يعودون من السفر؟

كنا نذهب لوداعهم؟

أم سيقولون:

كان لكل واحد منا غرفته، وهاتفه، وحياته؟

هذه ليست أسئلة عاطفية فقط.

نحن اليوم نصنع أيام زمان الخاصة بأبنائنا.

وما نفعله الآن سيكون غداً ذكرياتهم.

ربما لم يكن الماضي أجمل في كل شيء.

لكن بعض الأشياء فيه كانت تستحق أن تبقى.

كان الناس يملكون أقل…

لكنهم يحتاجون بعضهم أكثر.

وكانوا يزورون أكثر.

ويتسامحون أكثر.

ويشاركون أكثر.

وكان للجار مكان.

وللصديق مكان.

وللأخ مكان.

وللقادم من السفر فرحة.

وللمغادر وداع.

أما اليوم، فقد أصبح كل شيء أسرع وأسهل، لكن أحياناً أقل دفئاً.

إذن، هل تغير الزمان؟

نعم.

وهل تغيرنا نحن؟

نعم أيضاً.

لكن الفرق أن الزمن لا نستطيع إيقافه…

أما أنفسنا فنستطيع مراجعتها.

لا نستطيع إعادة الماضي.

لكن نستطيع ألا نسمح لكل ما كان جميلاً فيه أن يختفي.

فلنعد لبعضنا قليلاً.

لنزر من نحب.

لنسأل عمن غاب.

لنستقبل من عاد.

لنودع من يسافر.

لنجلس حول مائدة واحدة.

ولنترك الهاتف جانباً لبعض الوقت.

لأن الإنسان في النهاية لن يتذكر حجم بيته، ولا نوع سيارته، ولا عدد أطباق الطعام التي كانت على مائدته.

سيتذكر الوجوه التي كانت معه.

سيتذكر من حضر.

ومن سأل.

ومن انتظر.

 

ومن وقف عند باب الوصول في المطار بابتسامة وأحضان وقال له:

 

“الحمد لله على السلامة.”

 

وسيتذكر من وقف معه قبل السفر وقال:

 

“تروح وترجع بالسلامة.”

 

قد يبدو الأمر بسيطاً…

 

لكنه في الحقيقة هو ما يصنع العِشرة.

 

وهو ما يصنع الذكريات.

 

وهو ما يجعلنا نشعر أننا لسنا وحدنا في هذه الحياة.

 

ولهذا، ربما السؤال ليس:

 

متى تعود أيام زمان؟

 

بل:

 

متى نعيد نحن إلى أيامنا شيئاً من قلوب زمان؟

التالي هل تتراجع الحكومة عن «عشر سنوات» للإقامة الدائمة؟