بقلم المحامي عمرو محب اللواتي

تمر منظومة الهجرة واللجوء في بريطانيا بمرحلة تحول مهمة، ربما تكون من أكثر المراحل تأثيرا خلال السنوات الأخيرة. فالنقاش لم يعد مقتصرا على تعديل شروط تأشيرة أو رفع رسوم طلبات الهجرة، بل أصبح يتعلق بشكل منظومة العدالة نفسها، والمدة التي ينتظرها الإنسان حتى يفصل القضاء في مصيره، والحدود التي يمكن أن تصل إليها الدولة في سعيها لتسريع إجراءات اللجوء والترحيل.

المشكلة التي تحاول الحكومة البريطانية مواجهتها حقيقية ولا يمكن إنكارها. فقد تراكم أمام منظومة الهجرة عدد ضخم من الطعون، ووصل متوسط انتظار بعض القضايا إلى أكثر من عام قبل الوصول إلى قرار. ولهذا بدأت الحكومة في أغسطس 2026 تطبيق إطار يستهدف حسم فئات معينة من طعون الهجرة واللجوء خلال 24 أسبوعا، في محاولة لمعالجة تراكم تجاوز 150 ألف قضية. ومن وجهة نظري، فإن تقليل هذه المدد أمر مطلوب، لأن العدالة التي ينتظرها الإنسان عاما أو أكثر قد تفقد جزءا كبيرا من قيمتها العملية.

لكن السؤال الأهم ليس فقط: كيف نجعل النظام أسرع؟ السؤال الحقيقي هو: كيف نجعله أسرع دون أن يصبح أقل عدالة؟ وهذه المسألة تزداد أهمية عندما نتحدث عن قضايا قد تكون نتيجتها ترحيل إنسان إلى دولة يخشى فيها الاضطهاد، أو فصل أب أو أم عن طفل، أو رفض حماية شخص تعرض للتعذيب أو الاتجار بالبشر أو العنف الأسري.

من يعمل في قضايا الهجرة واللجوء يعرف أن الملف القانوني لا يتكون دائما من نموذج طلب وقرار رفض وبعض المستندات. هناك قضايا تحتاج إلى تقارير طبية ونفسية، وتقارير خبراء عن الأوضاع في دول النزاع، وأدلة يصعب الحصول عليها من الخارج، وشهادات لأشخاص تعرضوا لصدمات نفسية شديدة قد تؤثر حتى في قدرتهم على سرد ما حدث لهم بصورة متسقة. لذلك فإن اختصار المدة يجب ألا يعني اختصار الفرصة الحقيقية لتقديم الأدلة.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن الدفاع عن نظام يجعل الإنسان ينتظر سنوات حتى يعرف مصيره. طالب اللجوء لا يستفيد من التأخير، والدولة لا تستفيد منه، والمجتمع كذلك لا يستفيد من بقاء آلاف الأشخاص في حالة قانونية معلقة. من يستحق الحماية يجب أن يحصل عليها في أسرع وقت ممكن، ومن يصدر بحقه قرار قانوني نهائي بعد استنفاد ضماناته يجب أيضا ألا يبقى لسنوات داخل نظام لا يستطيع تنفيذ قراراته.

الأمر أصبح أكثر أهمية مع مشروع Immigration and Asylum Bill المطروح أمام البرلمان، والذي يتضمن تغييرات كبيرة في منظومة الطعون، من بينها إنشاء Independent Immigration Appeals Authority. ولذلك نحن لا نتحدث عن إجراء إداري مؤقت، وإنما عن محاولة لإعادة تشكيل جزء أساسي من النظام الذي يفصل في النزاعات بين الفرد ووزارة الداخلية. وما زالت هذه المقترحات تمر بالمراحل البرلمانية، ومن الضروري عدم التعامل معها وكأنها أصبحت جميعا قانونا نافذا بالفعل.

وتكشف الأرقام الرسمية أيضا عن جانب مهم من المشكلة. ففي السنة المنتهية في يونيو 2026 أصدرت وزارة الداخلية قرارات أولية بشأن أكثر من 115 ألف شخص في منظومة اللجوء. وحصل أكثر من 42 ألف شخص على الحماية أو نوع آخر من الإقامة عند القرار الأولي، بينما رفضت طلبات أكثر من 73 ألف شخص. وفي الوقت نفسه نجحت وزارة الداخلية في خفض عدد الأشخاص المنتظرين للقرار الأولي بصورة كبيرة. وهذه خطوة إيجابية من الناحية الإدارية، لكنها تطرح سؤالا آخر: هل نعالج تراكم القرارات داخل وزارة الداخلية، أم أننا ننقل هذا التراكم ببساطة إلى منظومة الطعون؟

وهنا تظهر أهمية حق الاستئناف. ففي بعض الأحيان يصور الطعن على قرار الهجرة وكأنه مجرد وسيلة لتعطيل الترحيل، وهذا تصور لا يعكس الوظيفة الحقيقية للقضاء. المحكمة ليست عقبة أمام الدولة، والمحامي ليس عقبة أمام تطبيق القانون، وحق الإنسان في الاعتراض على قرار قد يغير حياته بالكامل ليس ثغرة في النظام. وجود قضاء مستقل يراجع قرارات السلطة التنفيذية هو أحد أهم ضمانات دولة القانون.

وهذا لا يعني أن النظام يجب أن يسمح بإجراءات لا تنتهي أو طلبات متكررة لا تستند إلى أساس قانوني جديد. فمن حق الدولة أن تكون لديها منظومة فعالة، ومن حق المجتمع أن تنفذ القرارات النهائية. لكن الفارق كبير بين منع إساءة استخدام الإجراءات وبين تقليص الضمانات القانونية اللازمة للوصول إلى القرار الصحيح.

ويزداد هذا النقاش حساسية عندما نصل إلى المادة الثامنة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، Article 8، المتعلقة باحترام الحياة الخاصة والعائلية. قد تبدو هذه الكلمات مجرد مصطلحات قانونية، لكن خلفها في الواقع طفل بريطاني قد يواجه الانفصال عن أحد والديه، أو زوجان بنيا حياتهما معا، أو شخص عاش في بريطانيا سنوات طويلة وأصبحت أسرته وحياته بالكامل مرتبطة بهذا البلد. ولهذا فإن الموازنة بين حق الدولة في مراقبة الهجرة وحق الفرد في حياته الأسرية يجب أن تظل موازنة قانونية حقيقية تقوم على ظروف كل حالة، لا مجرد معادلة حسابية هدفها إنهاء أكبر عدد ممكن من الملفات.

ومن خلال عملي في مجال الهجرة، أرى أن بريطانيا لا ينبغي أن تضطر إلى الاختيار بين نظام سريع ونظام عادل. الدولة التي تمتلك مؤسسات قوية يجب أن تكون قادرة على تحقيق الاثنين معا. المطلوب هو تحسين جودة القرار منذ البداية، وتوفير عدد كاف من القضاة والموظفين، ومنح المحامين وقتا واقعيا للحصول على الأدلة الضرورية، ومنع التأجيلات غير المبررة، وفي الوقت نفسه حماية استقلال الجهة التي تفصل في الطعن عن أي ضغط سياسي أو إداري لتحقيق أرقام مستهدفة.

فالنجاح الحقيقي لأي إصلاح في نظام الهجرة لا يقاس فقط بعدد الملفات التي أغلقت، ولا بعدد القرارات التي صدرت، ولا حتى بعدد الأشخاص الذين تم ترحيلهم. المعيار الأهم يجب أن يكون كم قرارا صحيحا اتخذ النظام، وكم إنسانا حصل على الحماية عندما كان يستحقها، وكم قرارا غير صحيح استطاع القضاء تصحيحه قبل أن تصبح آثاره غير قابلة للإصلاح.

بريطانيا أمام فرصة حقيقية لإصلاح منظومة تحتاج بالفعل إلى الإصلاح. وإذا استطاعت تقليل سنوات الانتظار مع الحفاظ على استقلال القضاء وحق الدفاع والوقت الكافي لتقديم الأدلة، فسوف يكون ذلك نجاحا للدولة وللمهاجر وللمجتمع في الوقت نفسه. أما إذا أصبحت السرعة هدفا قائما بذاته، فإننا نكون قد عالجنا مشكلة التأخير وخلقنا مشكلة أكبر منها.

 

فالعدالة المتأخرة مشكلة بلا شك، ولكن العدالة المتسرعة قد تكون أخطر.

التالي هل تراجعت الحكومة البريطانية عن إصلاح نظام الإقامة الدائمة؟