د- نهاد خنفر 

أكاديمي ورئيس رابطة الجالية الفلسطينية في بريطانيا 

فسر  الكثيرون  نتائج الانتخابات البلدية التي جرت أمس على أنها تحول دراماتيكي في الخريطة السياسية البريطانية مقارنة بانتخابات عام 2022، حيث تعكس النتائج الأولية صعوداً قوياً للأحزاب الأصغر وتراجعاً حاداً للأحزاب التقليدية الكبرى، وخاصة حزب العمال. 

 

هل النتائج تعكس امتدادا لليمين وانحسارا لليسار!!

 

 وفي هذا السياق اتفق بأنه تحول حقيقي وجاد يؤشر الى نهاية عصر الأحزاب الكبرى وانتقال نصيب وافر من القوة السياسية الى الأحزاب الصغرى، وهذا مما يتعارض مع القفز الى الخلاصات بأن فوز حزب الاصلاح اليميني هو مؤشر على امتداد لموجة يمينية وانحسار موجة اليسار أو يسار الوسط ممثلة بخسارة حزب العمال، ربما أن في المقارنات ما قد يساعد على فهم الصورة وتحليل ما تعكسه من نتائج الانتخابات. 

 

صحيح ان حزب "اصلاح المملكة المتحدة" (Reform UK) يُعد الرابح الأكبر في هذه الانتخابات؛ حيث حقق اختراقاً هائلاً بكسب 583 مستشاراً إضافياً، ليسيطر لأول مرة على 4 مجالس بلدية بعد أن كان رصيده صفراً في السابق. جاءت هذه المكاسب بشكل رئيسي في مناطق شمال إنجلترا (مثل سندرلاند) وجنوبها الغربي (مثل بليموث).

 

 حزب الخضر (Green Party): فقد حقق "الخضر" طفرة تاريخية بفوزهم بأول مجلس بلدية لهم في لندن (والتهام فورست). كما فاز الحزب بمنصبي "عمدة" في هكني وليوشام، وزاد عدد اعضائه بـ 66 عضواً حتى الآن.

 

واما الديمقراطيون الأحرار (Liberal Democrats): فقد حققوا هم الآخرين بعض المكاسب، وإن بدت متواضعة، لكنها ثابتة بإضافة 29 عضوا والسيطرة على مجلس إضافي، مع الحفاظ على معاقلهم التقليدية في جنوب غرب لندن مثل تشيلتنهام.

 

أما الخاسرون والمتراجعون الذين تآكلت أرصدتهم فهي الأحزاب الكبرى، فقد حاز حزب العمال (Labour): على نصيب الأسد من الخسارة، حيث عانى من "هزيمة تاريخية" في بعض المعاقل، وخسر السيطرة على 11 مجالس بلدية وفقد 394 عضوا. وفقد الحزب أغلبيته في مجالس مثل إكستر، وشهد تراجعاً كبيراً في لندن (خاصة في إيسلينغتون ووالتهام فورست) لصالح حزب الخضر.

 

وهذا ما حصل ايضا لحزب المحافظين (Conservatives): حيث استمر نزيف المقاعد لدى المحافظين بخسارة 267 عضوا و3 مجالس بلدية. ومع ذلك، نجح الحزب في الاحتفاظ ببعض المعاقل مثل هرو (Harrow)وبروملي.

 

أهمية المقارنة بين 2026 و2022

فعليا نحن لا نشهد "صعود لليمين" بالمعنى المجرد، بل نشهد حالة من تفتت الأصوات داخل كل معسكر سياسي (اليمين واليسار) لصالح أحزاب بديلة.  وفي تفصيل ذلك وبناءً على المعطيات الأخيرة، ففي الاشارة الى معسكر اليمين: "الإصلاح" كبديل للمحافظين؛ فحزب "الإصلاح" (Reform UK) لم يكتفِ بجذب أصوات اليمين الجديد، بل سحب البساط من تحت أقدام حزب المحافظين في معاقله التقليدية.  فقد خسر المحافظون السيطرة على مجالس تاريخية (مثل مجلس مقاطعة هامبشاير لأول مرة منذ 30 عاماً) لأن ناخبيهم التقليديين وجدوا في "الإصلاح" البديل الذي يمثل تطلعاتهم اليمينية بشكل أوضح.  ويمكن تسمية او وصف ذلك بإعادة تموضع للاصوات، فالمكاسب التي حققها حزب الإصلاح (كسب 583 عضواً) جاءت في معظمها من مناطق كانت تصوت للمحافظين أو كانت تسمى "الجدار الأزرق". 

تآكل في رصيد العمال لصالح الخضر والأحرار الديمقراطيين

وفي معسكر اليسار فقد تآكل رصيد العمال لصالح "الخضر" و"الأحرار، وهذا ما تدعمه الأرقام، فقد خسر حزب العمال السيطرة على مجالس مثل إكستر وساوثهامبتون، ليس لصالح اليمين، بل لأن أصوات يسار الوسط تشتتت بين الخضر والديمقراطيين الأحرار. وفي حالة لندن (Waltham Forest) فقد فاز حزب الخضر بأول بلدية له بعد أن خسر حزب العمال مقاعده هناك مباشرة لصالحهم. وهنا يمكن استنتاج بأن الناخب الذي كان يصوت للعمال في 2022 انتقل في 2026 ليصوت للخضر تعبيراً عن رغبته في سياسات أكثر جذرية تجاه البيئة أو القضايا الاجتماعية.  ولربما ان الخلاصة المناسبة لتوصيف ما حصل هو بروز البدائل من اليمين واليسار على حساب الجذور التاريخية المشابهة لها في المنبت والتوجه والسياسات، حيث يمكننا القول إن هذه الانتخابات هي "انتخابات العقاب للأحزاب الكبرى":  الناخب اليميني اختار "الإصلاح" بدلاً من "المحافظين".  الناخب اليساري اختار "الخضر" أو "الديمقراطيين الأحرار" بدلاً من "العمال".  هذا يعني أننا ننتقل من نظام "الحزبين الكبيرين" إلى نظام متعدد الأقطاب، حيث لم تعد التيارات الكبرى تضمن ولاء قواعدها، وأصبح "البديل" (سواء كان خضراً في اليسار أو إصلاحاً في اليمين) هو الخيار المفضل.

ولا شك بأن انتخابات 2026 قد تمثل نهاية نظام القطبين التقليدي في الحكم المحلي البريطاني، حيث أصبح الناخبون يميلون للبحث عن بدائل (الخضر والديمقراطيين الاحرار في اليسار، وReform في اليمين) تعبيراً عن استيائهم من أداء الحزبين الرئيسيين منذ الانتخابات العامة الأخيرة.

 

التالي الصحف البريطانية تحاول تفسير الانقلاب في مزاج البريطانيين