من إسطنبول إلى دروغيدا: قصة التضامن العثماني في زمن المجاعة الكبرى في أيرلندا
عرب لندن
تظل "المجاعة الكبرى" في أيرلندا (1845-1852) جرحاً غائراً في الذاكرة الإنسانية، لا لكونها كارثة طبيعية فحسب، بل لما كشفته من تضارب صارخ بين قسوة السياسات الاستعمارية وبين قيم الإغاثة العابرة للحدود. وبينما تروي السجلات البريطانية قصة "آفة زراعية"، يكشف المؤرخون والأيرلنديون تفاصيل "مؤامرة" كادت تبيد شعباً كاملاً، لولا تدخل مفاجئ جاء من أقصى الشرق، من قلب الدولة العثمانية.
بريطانيا وهندسة الجوع: "الله أرسل الآفة والإنجليز صنعوا المجاعة"
بدأت الكارثة مع انتشار فطر Phytophthora infestans الذي دمّر محصول البطاطا، الغذاء الأساسي للفقراء في أيرلندا. ومع ذلك، لم تكن البلاد خالية من الإنتاج الزراعي، إذ استمرت زراعة الحبوب وتربية الماشية، لكن جزءًا كبيرًا من هذه الموارد كان يُوجَّه للأسواق الخارجية ضمن نظام ملكية قائم على “المُلاك الغائبين”، الذين يديرون أراضيهم عبر وكلاء ويعتمدون على الإيجارات كأولوية اقتصادية.
وفي ظل هذا النظام، لم يكن الفقراء قادرين على شراء الغذاء المتاح، ما جعل المجاعة نتيجة تداخل الكارثة الزراعية مع اختلالات في توزيع الموارد، وليس مجرد نقص في الإنتاج.
يؤكد المؤرخ تيم بات كوغان في كتابه "مؤامرة المجاعة" أن السلطات البريطانية في لندن استخدمت الأزمة كأداة للتحسين "الأخلاقي والسياسي" لأيرلندا عبر التجويع.
وبينما كان المساعد بوزارة الخزانة في بريطانيا، تشارلز تريفليان، يرى في المجاعة "آلية إلهية" لتقليل السكان، كان الفلاحون الأيرلنديون يُطردون من أكواخهم وتُحرق منازلهم فوق رؤوسهم لعجزهم عن دفع الإيجار، مما أدى لوفاة مليون إنسان ونزوح نحو مليون شخص آخر إلى أمريكا.
تحدي السلطان: حين كُسرت بروتوكولات التاج البريطاني
في هذه الأجواء القاتمة، وصلت أخبار المأساة إلى السلطان العثماني عبد المجيد الأول عبر طبيبه الأيرلندي جاستن واشنطن مكارثي. السلطان الشاب، المعروف بـ "الخليفة الرحيم"، قرر فوراً التبرع بـ 10,000 جنيه إسترليني (ما يعادل 1.7 مليون دولار اليوم).
هذا الكرم أحدث زلزالاً دبلوماسياً في لندن؛ إذ إن الملكة فيكتوريا لم تتبرع إلا بـ 2000 جنيه فقط، واعتبر البلاط البريطاني أن تبرع السلطان بمبلغ أكبر يعد "إهانة" للتاج. وتحت الضغط الدبلوماسي، اضطر السلطان رسمياً لتخفيض المبلغ إلى 1000 جنيه، لكنه قرر خوض معركة إنسانية سرية؛ فأرسل ثلاث سفن محملة بالأغذية والحبوب لتشق طريقها عبر 4000 ميل نحو الجزيرة المنكوبة.
الرسو في "دروغيدا": الهلال والنجمة يضيئان ليل المجاعة
حاولت المحاكم والسلطات الإنجليزية منع السفن العثمانية من تفريغ حمولتها في الموانئ الكبرى كدبلن، لكن البحارة العثمانيين نجحوا في التسلل والرسو في ميناء مدينة "دروغيدا" الصغيرة. هناك، استقبل الأهالي الجوعى المعونات العثمانية بامتنان لم يمحُه الزمن.
وكتعبير عن هذا العرفان، قامت مدينة "دروغيدا" بإضافة "النجمة والهلال" العثمانيين إلى شعارها الرسمي، وهو الرمز الذي لا يزال يظهر حتى يومنا هذا على قمصان نادي "دروغيدا يونايتد" لكرة القدم. كما أرسل وجهاء أيرلندا رسالة شكر شهيرة للسلطان، جاء فيها امتنانهم لمن "سمع أنينهم من وراء البحار" في وقت صمتت فيه آذان جيرانهم في لندن.
إرث باقٍ وفصل لا يُنسى
تظل هذه القصة، شاهداً على حقبة كان فيها الإنجليز يحاولون تجويع الأمة بينما الأرض تفيض بالمحاصيل التي تُباع في ريو دي جانيرو، كما وصفها المعاصرون. اليوم، ومع وجود أكثر من 50 مليون أمريكي من أصل أيرلندي، تظل "سفن السلطان" رمزاً تاريخياً للإخاء الإنساني الذي تجاوز صراع الأديان والجغرافيا، ليثبت أن الرحمة لا تعرف حدوداً، وأن ذكرى المعروف أطول عمراً من سطوة الإمبراطوريات.