بقلم وسيم المبارك
لقد أحدث الذكاء الاصطناعي طفرة هائلة، وأظهر قدرة فائقة على كتابة المقالات وحل المعادلات، فضلًا عن تلخيص الكتب الدراسية كاملةً وفي ثوانٍ معدودات. وفي إطار سعي العديد من المدارس إلى مواكبة هذا التحول، فقد سارعت إلى تعليم الطلاب كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بكفاءة. وعلى الرغم من ذلك ما زال سؤال يلح ويتردد صداه مع أنه قد غاب عن الكثيرين: ما الذي يجب على التعليم ألا يغفله لحماية مهارات الطلاب؟، وفي الوقت نفسه يتفرد به ولا يستطيع الذكاء الاصطناعي محاكاته على الإطلاق؟ والجواب يتمثل فيما يُمكن تسميته بـ "جوهر الإنسان" - التفكير النقدي، والتواصل، والإبداع. وهي مهارات أساسية تحدد قدرة الفرد على التفكير باستقلالية في عالمٍ مُشبع بالإجابات الآلية، وليست بمهارات ثانوية تُضاف بعد التدريب التقني.
لماذا يُعد جوهر الإنسان مهمًا الآن؟
لعقود، قاست الأنظمة التعليمية نظامًا عقيمًا لا يعتمد إلا على الحفظ والاستذكار المعياري. وقد أصبح هذا النموذج العتيق لا طائل منه ولا حاجة إليه؛ إذ إن أنظمة الذكاء الاصطناعي تستطيع استرجاع الحقائق بسرعة ودقة تفوق أي طالب، مما يعني أن المقياس القديم "من يعرف أكثر" قد فقد قيمته، وصارت القيمة الحقيقية في "من يُفكر بطريقة أفضل"، وهو ما أكدته البحوث التي تُعنَى ببحث تأثير الذكاء الاصطناعي في الفصول الدراسية.
أكدت مراجعة منهجية للذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم العالي كفاءةَ الذكاء الاصطناعي الكبيرة في تعزيز المستويات الأولية لتصنيف بلوم، فهي تركز على مهارات التذكر الأساسية والفهم، في حين أنها لاحظت ضعف قدراته في مهارات التفكير العليا كالتحليل والتركيب والتقييم. بعبارة أخرى، يُجيد الذكاء الاصطناعي مساعدة الطلاب على تذكر المعلومات، ولكنه أضعف بكثير في مساعدتهم على التفكير المنطقي لحل المشكلات المعقدة. هذه الفجوة هي تحديدًا ما يجب أن يركز عليه التعليم البشري جهوده.
يشير تقرير بحثي صادر عن البرلمان الأوروبي إلى نقطة مماثلة، وهي أن التفكير النقدي والحكم المعرفي هدف تعليمي سامٍ وغاية يجب أن ترتكز على دمج الذكاء الاصطناعي وتسخيره لخدمة هذا الهدف، لا الاستبدال به. ويشير التقرير نفسه إلى أن الإبداع وحل المشكلات التكيفي ضروريان للغاية لكل من المرونة الاقتصادية والابتكار المجتمعي، وأن الإبداع يزدهر تحديدًا في بيئات تدعم الاستقلالية والدافع الذاتي والمشاركة الفكرية - وهي ظروف لا تتوافر للطالب الذي يستهلك إجابات مولَّدة من الذكاء الاصطناعي بشكل سلبي.
خطر إهمال القدرات المعرفية
إن اجتياح الذكاء الاصطناعي لا يمثل خطرًا في حد ذاته، ولكن يكمن الخطر في الاعتماد المفرط عليه، فالاستسهال وعدم إعمال العقل والفكر قد يُضعِف، دون أن نشعر، المهارات التي يتمتع بها الفرد ويُفترض أن يُنميها التعليم. ويؤكد ذلك ما رصدته مراجعة منهجية للأدبيات شملت 200 طالب جامعي، فقد كشفت عن أن الاعتماد الكامل على أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية دون شحذ للفكر قد يؤثر سلبًا في قدرة الطلاب على التفكير الأصيل والإبداع وحل المشكلات بشكل مستقل، وهو ضد ما نادت به نظريات التعليم الحديثة، كما أثارت مخاوف من أن يُسهِّل الذكاء الاصطناعي الانتحال بدلًا من التعلم، فتتدهور القدرات البشرية بدلًا من أن تتطور. وتصف دراسة منفصلة في مجال التعليم المهني هذا النمط بأنه نوع من "الكسل المعرفي" - حيث يتوقف الطلاب عن التساؤل والتحقُّق وتوليد أفكارهم الخاصة لأن الآلة لديها إجابة جاهزة، فيكتفي بها العقل الذي يميل غالبًا إلى الراحة.
هذا هو التحدي الرئيس الذي يواجه التعليم اليوم؛ الجمع بين أن يكون الذكاء الاصطناعي أداةً فعَّالة، وفي الوقت نفسه لا يصبح عكازًا يرتكن إليه كل من يجنح إلى الهروب من بذل الفكر وإعمال العقل. وهناك خط فاصل دقيق بين هذا وذاك، يحدده طريقة تقديمه في الفصل الدراسي.
الأتمتة لن تكون بديلا عن الإنسان
تشير العديد من الدراسات إلى وجود قدرات بشرية تقاوم الأتمتة وبمنأى عن الاستبدال، بغض النظر عن مدى تطور الذكاء الاصطناعي. مثلًا: بناء العلاقات الحقيقية بين الطالب والمعلم يتطلب تعاطفًا وثقةً شخصيةً لا تستطيع الآلة توفيرها بشكلٍ أصيل. كذلك فإن تصميم المناهج الدراسية والبحوث الأصلية يعتمد على التفكير الإبداعي، والحكم الأخلاقي، وفهم السياق الثقافي المتغير - وهي قدرات تتجاوز مجرد التعرف إلى الأنماط. وقد أظهر تحليلٌ أجراه المنتدى الاقتصادي العالمي أن 92% من أصحاب العمل يُولون أهميةً كبرى للذكاء العاطفي والمهارات الشخصية، وهو رقمٌ لافتٌ للنظر أمام التطور السريع للأتمتة في جميع المهام المهنية الأخرى تقريبًا.
التواصل أيضًا جزءٌ لا يتجزأ من هذا الجانب الإنساني؛ فالكتابة والتحدث والإقناع ليست مجرد مهاراتٍ لاجتياز الامتحانات، بل هي الوسيلة التي يلجأ إليها الجميع لتوضيح أفكارهم، والتعبير عن أحاسيسهم، وبناء الثقة، وحل الخلافات، ونقل الخبرات، وغير ذلك الكثير، فالتواصل شريان الحياة الإنسانية وعمودها. وثمة حقيقة جلية، وهي أن الذكاء الاصطناعي يستطيع كتابة فقرة، لكنه لا يستطيع بأي حال من الأحوال أن يكون بديلًا عن الحكم الشخصي في معرفة ما يجب قوله بالضبط، ولمن، ولماذا هو مهم.
كيف يمكن للتعليم أن يستجيب؟
تقودنا الأدلة إلى مسارٍ واضحٍ للمضي قدمًا في طريق التنمية الشاملة، لا برفض التكنولوجيا، بل بإعادة تصميم كيفية استخدامها وتوظيفها. توصي العديد من الدراسات بمهام تتطلب تبرير الاستنتاجات بشكل مستقل عن الإجابات التي يُولدها الذكاء الاصطناعي، فتدعم تلقائيًا التفكير المتعمق والحس الناقد المتأمل لدى الطلاب، إلى جانب التعلم المفتوح القائم على المشاريع، وفيه يمثل الذكاء الاصطناعي دور المساعد لا الموجه. وهو ما يجعل الجهد المعرفي - أي التفكير الفعلي - على عاتق الطالب، مع السماح للذكاء الاصطناعي في الوقت نفسه بمعالجة المهام المتكررة أو الآلية.
وتُبدي بعض البحوث تفاؤلًا من أن الذكاء الاصطناعي، عند استخدامه بهذه الطريقة، يُمكن أن يُعزز التفكير النقدي بدلًا من إضعافه، ولكنه تفاؤل مشوب بالحذر، إذ قد تبعث الاستعانة المتكررة بالذكاء الاصطناعي على الكسل والارتهان لتلك الآلة وما تمليه. وقد خلُصت إحدى الدراسات في مجال تعليم التصميم إلى أن التغذية الراجعة المنظمة من الذكاء الاصطناعي تساعد الطلاب على التفكير بعمق أكبر في قراراتهم وتعزيز حججهم وتصون عقولهم، وهو ما يؤكد الدور التفاعلي المحوري للذكاء الاصطناعي الذي لا يقل أهمية عن تأثيره.