بقلم: المستشار علي القدومي

في ظل استمرار الجدل حول الهجرة واللجوء في المملكة المتحدة، أعلنت الحكومة البريطانية عن توجه جديد يتمثل في إنشاء مسارات آمنة وقانونية لوصول اللاجئين، في خطوة وصفت بأنها مستوحاة من النموذج الكندي الذي يقوم على إشراك المجتمع المدني والجامعات وأصحاب العمل في استقبال اللاجئين وإعادة توطينهم.

ويأتي هذا الإعلان في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطاً متزايدة لإيجاد حلول أكثر فاعلية لأزمة الهجرة غير النظامية، بعد سنوات من الاعتماد على سياسات الردع والإجراءات الأمنية، التي لم تحقق النتائج المرجوة في الحد من عبور القوارب الصغيرة عبر القناة الإنجليزية.

من الردع إلى توفير البدائل

خلال السنوات الماضية ركزت الحكومات البريطانية المتعاقبة على مكافحة شبكات تهريب البشر وتشديد الرقابة على الحدود، إلا أن الواقع أثبت أن غياب الطرق القانونية يدفع كثيراً من الفارين من الحروب والاضطهاد إلى المخاطرة بحياتهم بحثاً عن الأمان.

ومن هنا تبدو فكرة إنشاء مسارات قانونية أكثر توازناً، لأنها لا تقتصر على مكافحة الهجرة غير النظامية، بل تحاول معالجة أحد أهم أسبابها، وهو غياب البديل القانوني أمام الأشخاص الذين يستحقون الحماية.

ثلاثة مسارات رئيسية

الخطة الحكومية تقوم، بحسب ما أُعلن حتى الآن، على ثلاثة مسارات رئيسية:

الأول هو الرعاية المجتمعية (Community Sponsorship)، حيث تتمكن مجموعات مجتمعية معتمدة داخل المملكة المتحدة من رعاية لاجئين وتقديم الدعم اللازم لهم، بما يشمل المساعدة في السكن والاندماج خلال الفترة الأولى من وصولهم.

أما المسار الثاني فهو مسار الدراسة، والذي يتيح لبعض الجامعات البريطانية استقبال ورعاية لاجئين مؤهلين لاستكمال تعليمهم، وهو مسار يمنح الشباب فرصة لإعادة بناء مستقبلهم من خلال التعليم بدلاً من البقاء سنوات طويلة في مخيمات اللجوء.

ويتمثل المسار الثالث في مسار العمل، إذ سيتمكن بعض أصحاب العمل من رعاية لاجئين يمتلكون المهارات والخبرات التي يحتاجها سوق العمل البريطاني، بما يحقق مصلحة مزدوجة؛ فمن جهة تستفيد بريطانيا من الكفاءات، ومن جهة أخرى يحصل اللاجئون على فرصة قانونية للاستقرار والعمل بكرامة.

هل أصبحت هذه المسارات متاحة؟

الإجابة حتى الآن هي: لا.

فالحكومة لم تنشر بعد اللوائح التنفيذية أو شروط التقديم أو آليات الاختيار، كما لم تفتح باب التسجيل للراغبين بالاستفادة من هذه البرامج.

وبحسب ما أعلنته الحكومة، فمن المتوقع أن يبدأ تنفيذ المشروع تدريجياً اعتباراً من خريف عام 2026، على أن يصل أول المستفيدين خلال عام 2027 بعد اكتمال الأطر القانونية والإدارية.

من الذين ستكون لهم الأولوية؟

رغم عدم صدور المعايير النهائية، فإن المؤشرات الحالية تدل على أن الأولوية ستمنح للفئات الأكثر حاجة إلى الحماية، وللأشخاص الذين تثبت حاجتهم للحماية الدولية، إضافة إلى الحالات التي تحظى برعاية من جهات معتمدة داخل المملكة المتحدة.

كما تشير بعض التقارير إلى أن لاجئين من مناطق النزاعات الإنسانية، ومنها السودان، قد يكونون ضمن الفئات التي ستحظى بالأولوية إذا تم اعتماد البرنامج بصيغته الحالية.

هل يشكل ذلك تغييراً في سياسة اللجوء البريطانية؟

من وجهة نظري، فإن هذه الخطوة تمثل تحولاً مهماً في طريقة التفكير، لكنها لا تعني تغييراً جذرياً في السياسة البريطانية.

فالحكومة الحالية ما زالت تؤكد في الوقت ذاته أنها ستواصل مكافحة الهجرة غير النظامية، وتشديد الإجراءات ضد شبكات التهريب، وتسريع إعادة الأشخاص الذين لا يملكون حق البقاء في المملكة المتحدة.

وبالتالي فإن الرسالة السياسية تبدو واضحة: فتح أبواب قانونية لمن يستحق الحماية، مع إغلاق الطرق غير النظامية أمام المهربين ومن يستغلونها.

تحديات التنفيذ

نجاح هذه المبادرة لن يعتمد على الإعلان عنها فقط، بل على كيفية تنفيذها عملياً.

فالتحديات ستكون كبيرة، وفي مقدمتها توفير التمويل الكافي، وضمان وجود جهات راعية مؤهلة، ووضع معايير عادلة وشفافة للاختيار، إضافة إلى تحقيق التوازن بين الالتزامات الإنسانية للمملكة المتحدة وقدرتها على إدارة ملف الهجرة.

كما أن نجاح البرنامج سيقاس بمدى قدرته على تقليل الاعتماد على القوارب الصغيرة، وتقديم بديل حقيقي وآمن للأشخاص الفارين من النزاعات والاضطهاد.

كلمة أخيرة

من المهم التأكيد على أن هذه المبادرة لا تزال في مرحلة الإعداد، ولم يبدأ العمل بها فعلياً، كما لا توجد حتى الآن أي استمارات أو طلبات مفتوحة للتسجيل.

لذلك ينبغي توخي الحذر من الأخبار غير الدقيقة أو الإعلانات المضللة التي قد تستغل اهتمام الناس بهذا الموضوع، وانتظار ما سيصدر رسمياً عن الحكومة البريطانية بشأن تفاصيل البرنامج وآلية التقديم.

وإذا كُتب لهذه المبادرة النجاح، فقد تمثل نموذجاً جديداً يجمع بين البعد الإنساني، واحترام القانون، والإدارة المنضبطة لملف اللجوء، وهو التوازن الذي تسعى إليه كثير من الدول في الوقت الراهن.

التالي الهجرة تحت النار: عريضة البرلمان.. وزلزال الأرقام الذي هزّ الخطاب اليميني