“حين تفشل السياسة في حل الأزمات… تبدأ في صناعة الأعداء.”

بقلم: عمرو محب

مستشار قانوني، عضو مؤتمر الجالية، وناشط حقوقي

في إحدى قاعات النقاش وسط لندن، كان الحديث محتدماً حول الهجرة.
سياسيون، وأكاديميون، ونشطاء، وصحفيون… الجميع يتحدث عن الأرقام والسياسات والحدود.

لكن شيئاً واحداً بدا غائباً عن الطاولة:
الإنسان.

في بريطانيا اليوم، لم يعد السياسي بحاجة دائماً إلى تقديم حل حقيقي، يكفي أحياناً أن يجد عدواً جديداً.

واليمين البريطاني وجد ضالته أخيراً:
المهاجر.

فكل أزمة تحتاج متهماً جاهزاً، وكل غضب شعبي يحتاج من يُلقى عليه اللوم.
إذا ارتفعت الأسعار… فالمهاجر مسؤول.
إذا ازدحمت المستشفيات… فالمهاجر مسؤول.
إذا تفاقمت أزمة السكن… فالمهاجر مسؤول.

وكأن بلداً بحجم المملكة المتحدة، بكل أزماته الاقتصادية والسياسية المعقدة، يمكن اختصار مشكلاته فجأة في إنسان جاء يبحث عن فرصة، أو أمان، أو بداية جديدة.

السياسة وصناعة الخصم

هناك شيء يتغير في بريطانيا.
شيء أعمق من مجرد صعود حزب أو تراجع آخر.

فالسياسة لم تعد تبحث عن حلول بقدر ما أصبحت تبحث عن خصم سياسي يمكن استخدامه لتحقيق مكاسب سريعة. وحين تتحول الأزمات إلى أدوات للاستثمار السياسي، يصبح الخوف سلعة مربحة.

وخلال الأشهر الماضية، حضرتُ عدداً من الندوات والنقاشات السياسية والحقوقية حول تصاعد الخطاب اليميني ومستقبل الهجرة في المملكة المتحدة. تحدثت مع سياسيين، وأكاديميين، ومحامين، ونشطاء، ومؤسسات حقوقية مختلفة.

وكان هناك شعور ثقيل يسيطر على تلك النقاشات:
بريطانيا قلقة، والناس متعبة اقتصادياً وفاقدة الثقة بالأحزاب التقليدية. وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها.

لكن ما أقلقني أكثر هو اللحظة التي شعرت فيها أن الناس لم تعد تتحدث عن بشر… بل عن “مشكلة” يجب التخلص منها.

في تلك اللحظة تحديداً، بدا واضحاً أن النقاش حول الهجرة لم يعد نقاشاً حول السياسات فقط، بل حول الخوف نفسه.

فاليمين فهم غضب الناس… ثم حوّل هذا الغضب إلى خطاب يقوم على فكرة خطيرة:
أن المهاجر هو أصل المشكلة.

لكن الشعبوية لا تقدم حلولاً حقيقية، بل تقدم شعوراً مؤقتاً بالغضب والراحة. تعطي الناس عدواً واضحاً، بدلاً من مواجهة الأسباب الحقيقية للأزمات.

الوجه الآخر للهجرة

كمهاجر مصري أعيش وأعمل داخل المملكة المتحدة، أعرف جيداً كيف يمكن أن يتحول الإنسان فجأة من شخص يحاول بناء حياته إلى رقم داخل معركة سياسية.

ومن خلال عملي كمستشار قانوني وناشط حقوقي، أرى يومياً وجهاً آخر لا يظهر في العناوين الصاخبة ولا في الخطابات الحادة.

أرى أناساً يعيشون في الظل، يستيقظون كل صباح وهم يحملون خوفهم معهم:

  • خوف من القانون،

  • وخوف من المستقبل،

  • وخوف من أن يتحول وجودهم كله إلى مادة للجدل السياسي.

قبل فترة، كنت أتحدث مع رجل يعيش في بريطانيا منذ سنوات طويلة.
يعمل بصمت، ويدفع إيجاره، ويحاول فقط أن يعيش بكرامة.

لم يكن يتحدث عن السياسة، ولا عن الأحزاب، ولا عن الانتخابات.
كان يتحدث عن الخوف.

الخوف من أن ينهار كل شيء فجأة.

ورغم ذلك، فهو يعمل، ويساهم في الاقتصاد، ويعيش داخل المجتمع البريطاني مثل آلاف غيره ممن أصبحوا جزءاً من هذا الواقع، حتى وإن ظلوا خارجه قانونياً.

لماذا أطلقتُ العريضة؟

ربما لا أملك كل الإجابات، لكنني أعرف أن تجاهل الواقع ليس حلاً.

وفي لحظة ما، أدركت أن المشكلة لم تعد فقط في الهجرة، بل في الطريقة التي أصبح يُدار بها النقاش كله. ولهذا قررت ألا أبقى مجرد متابع لهذا المشهد، وأطلقتُ عريضتي إلى البرلمان البريطاني كخطوة أولى نحو نقاش أكثر واقعية وعقلانية حول الهجرة.

العريضة تدعو إلى برنامج استثنائي ومنظم لتسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين الموجودين بالفعل داخل المملكة المتحدة، مع منح المؤهلين منهم حق العمل والإقامة القانونية، مقابل مساهمة ضريبية إضافية مؤقتة لدعم الاقتصاد والخدمات العامة.

قد يختلف البعض مع الفكرة، وهذا طبيعي. لكن ما لم يعد طبيعياً هو الاستمرار في تجاهل الواقع.

لأن ترك آلاف الأشخاص خارج النظام القانوني لا يلغي وجودهم، بل يصنع مشاكل أكبر:

  • اقتصاداً أسود،

  • واستغلالاً أكبر،

  • وخوفاً دائماً،

  • ومزيداً من الانقسام.

أما إدخال الناس إلى الإطار القانوني، فهو لا يعني “فتح الحدود” كما يحاول البعض تصويره، بل يعني استعادة السيطرة على ملف أصبح يُدار بالشعارات أكثر مما يُدار بالسياسات الواقعية.

أنا لا أدعو إلى الفوضى، ولا أدافع عن الهجرة غير المنظمة.
أنا أدافع عن مواجهة الواقع بدل الهروب منه.

بريطانيا والمهاجرون… علاقة معقدة

المفارقة التي يتجنب كثيرون الحديث عنها هي أن بريطانيا نفسها تعتمد بصورة كبيرة على المهاجرين.

في المستشفيات،
وفي وسائل النقل،
وفي قطاعات الخدمات والرعاية،
وفي الجامعات والشركات والمؤسسات.

كثير من الذين يهاجمون الهجرة يومياً، يعتمدون في تفاصيل حياتهم اليومية على مهاجر ما، حتى دون أن ينتبهوا لذلك.

بريطانيا التي بنت جزءاً من قوتها على الهجرة، تبدو اليوم خائفة من الهجرة نفسها.

لكن الشعبوية لا تحب التعقيد.
هي تبحث دائماً عن رواية سهلة، وعن خصم واضح، وعن غضب يمكن استثماره سياسياً.

الأزمات الحقيقية تحتاج وقتاً وحلولاً صعبة…
أما الخوف، فيُباع بسرعة.

ولهذا أصبح المهاجر “العدو المثالي”.

الحاجة إلى نقاش مختلف

ما يقلقني اليوم ليس فقط صعود الخطاب اليميني، بل تراجع مساحة النقاش العقلاني والهادئ.

أصبح الحديث عن الهجرة محصوراً بين صوت يخيف الناس من كل مهاجر، وصوت آخر يرفض حتى الاستماع إلى مخاوف المجتمع.

وبين الطرفين… تضيع الحقيقة.

الحقيقة أن الهجرة ليست العدو الحقيقي لبريطانيا.
العدو الحقيقي هو غياب الرؤية الواقعية، واستمرار استثمار الأزمات لتحقيق مكاسب سياسية قصيرة المدى.

الهجرة ليست هي التي أضعفت ثقة الناس بالأحزاب، وليست هي التي صنعت أزمة المعيشة، وليست السبب الوحيد وراء الضغط على الخدمات.

لكن السياسة تحتاج أحياناً إلى قصة سهلة… حتى لو كانت مضللة.

فالسياسة التي تُبنى على الغضب، تنتهي دائماً بالمزيد من الغضب.

ولهذا أطلقتُ عريضتي إلى البرلمان البريطاني.
ليس لأنني أبحث عن الجدل، بل لأنني أؤمن أن الوقت قد حان لنقاش أكثر شجاعة وواقعية وإنسانية حول الهجرة ومستقبل هذا البلد.

رابط العريضة

🔗 رابط العريضة إلى البرلمان البريطاني:

https://petition.parliament.uk/petitions/754152

أدعو كل من يؤمن بأهمية النقاش الواقعي والعادل حول الهجرة، بعيداً عن الخوف والشعارات، إلى قراءة العريضة ودعمها والتصويت لها.

ربما ينجح البعض في تحويل الخوف إلى أصوات انتخابية.
وربما ينجح اليمين لبعض الوقت في بيع الوهم السياسي للناس.

لكن الدول لا تُبنى بالخوف،
ولا تُدار بالشعارات.

بريطانيا لا تحتاج إلى مزيد من الانقسام،
بل إلى شجاعة كافية لمواجهة الواقع كما هو.

وفي النهاية… يبقى الإنسان إنساناً، مهما تغيّرت السياسات والخطابات.

التالي محمد أمين: انتهى نظام الحزبين واليمين الشعبوي نجح في تصدر المشهد