عرب لندن

في خطوة غير مسبوقة، وضعت الإمارات التعليم في قلب خلافها السياسي مع لندن، بعدما استبعدت الجامعات البريطانية من قائمة المؤسسات المؤهلة للحصول على المنح الدراسية الحكومية. ويعكس القرار هواجس أبوظبي المستمرة من جماعة الإخوان المسلمين، التي تصنفها منظمة إرهابية، في مقابل تردد بريطانيا في اتخاذ موقف مماثل.

وبحسب صحيفة "فايننشال تايمز" The Financial Times ، أكدت مصادر مطلعة أن استبعاد الجامعات البريطانية لم يكن سهوًا، بل يمثل رسالة واضحة مفادها أن الإمارات لا ترغب في تعرض طلابها لما تعتبره خطرًا من التطرف الإسلامي داخل هذه الجامعات. ورغم تشديد بريطانيا على أهمية الحرية الأكاديمية، تكشف الأرقام أثر القرار، إذ تراجع عدد الطلاب الإماراتيين الحاصلين على تأشيرات للدراسة في المملكة المتحدة بنسبة 55% خلال ثلاث سنوات، ليصل إلى 213 طالبًا في العام المنتهي في سبتمبر 2025.

وجاء قرار أبوظبي بعد نشر وزارة التعليم العالي الإماراتية في يونيو/حزيران قائمة بالجامعات العالمية المعتمدة لمنحها الدراسية، شملت مؤسسات في الولايات المتحدة وأستراليا وإسرائيل وفرنسا، لكنها لم تضم أي جامعة بريطانية، على الرغم من احتضان المملكة المتحدة لعدد كبير من أفضل الجامعات على مستوى العالم.

وأوضح مسؤولون إماراتيون أن الاستبعاد لم يكن "سهوًا"، بل جاء في إطار مخاوف أبوظبي من تعرض الطلاب للتطرف الإسلامي أثناء الدراسة في بريطانيا. ويأتي هذا الإجراء في سياق تصاعد القلق الإماراتي بشأن النفوذ المحتمل لجماعة الإخوان المسلمين في الجامعات البريطانية، وسط تقارير أفادت بأنه خلال العام الدراسي 2023-2024 تم الإبلاغ عن 70 طالبًا في مؤسسات بريطانية لاحتمال إحالتهم إلى برنامج "منع التطرف" الحكومي، أي ما يقارب ضعف عدد الطلاب في العام السابق.

ومنذ انتفاضات الربيع العربي عام 2011، تبنت الإمارات حملة صارمة على النشاط الإسلامي المحلي وتدخلت إقليميًا للحد من دور الإسلام السياسي. وفي عهد رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، شككت أبوظبي في قرار الحكومة البريطانية بعدم تصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية، فيما أعلنت حكومة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر العام الماضي أن المسألة قيد "مراجعة دقيقة". ويشير سجل الحكومة البريطانية إلى أن جماعة الإخوان المسلمين لم تكن مرتبطة بأي نشاط إرهابي داخل المملكة المتحدة، وفق تقرير شامل صدر عام 2015.

وفي سياق مرتبط، تعهد زعيم حزب الإصلاح البريطاني، نايجل فاراج، بحظر الجماعة إذا أصبح رئيسًا للوزراء، فيما تكفلت الإمارات بتمويل زيارته إلى أبوظبي العام الماضي، بحسب تقرير “فايننشال تايمز”.

ويهدد القرار الإماراتي تقليدًا طويلًا من اعتماد مواطنيها على المنح الحكومية للدراسة في الخارج، كما يضعف قيمة الشهادات البريطانية داخل الإمارات بعد إعلانها عدم الاعتراف بالمؤهلات الصادرة عن مؤسسات غير مدرجة في القائمة الجديدة. وبينما يواصل بعض الإماراتيين الميسورين إرسال أبنائهم على نفقتهم الخاصة، أصبح مستقبل الدراسة في بريطانيا أكثر غموضًا من أي وقت مضى.

ولا يقتصر التوتر بين البلدين على ملف التعليم، بل يمتد إلى ملفات أخرى، من محاولة أبوظبي شراء صحيفة "ديلي تلغراف"، إلى الجدل حول دعمها المزعوم لقوات شبه عسكرية في السودان، وصولًا إلى قضية الدوري الإنجليزي الممتاز المتعلقة بنادي مانشستر سيتي المملوك لإماراتيين. ومع ذلك، تؤكد الإمارات أن العلاقات الثنائية لا تزال متينة، فيما تلتزم وزارات الخارجية والتعليم في البلدين الصمت.

ويُسلط القرار الضوء على كيف يمكن أن يتحول التعليم إلى ساحة مواجهة سياسية، حيث تُستخدم المنح الدراسية أداة ضغط ورسالة تحذير. وبينما يظل الطلاب في قلب هذه الأزمة، أصبح مستقبلهم الأكاديمي رهينة التوترات بين أبوظبي ولندن، وسط مخاوف من تأثيرات الأحداث الإقليمية، بما في ذلك الحرب في غزة، على الجامعات البريطانية.

كما تسعى بعض الجامعات البريطانية لتوسيع وجودها في الإمارات، حيث افتتحت مؤسسات مثل جامعة مانشستر وجامعة هيريوت وات فروعًا لها في دبي، في وقت لم تصدر فيه وزارة الخارجية الإماراتية أو وزارة التعليم البريطانية أي تعليق رسمي على هذه التطورات.

السابق كامبريدج تعلن عن منحة ماجستير للمسلمين بقيمة 40 ألف باوند
التالي طلاب الاتحاد الأوروبي يتركون وراءهم 5.8 مليارات جنيه إسترليني ديونًا لبريطانيا