عرب لندن
تسعى حكومة رئيس الوزراء كير ستارمر إلى تطبيق نظام هوية رقمية شامل في المملكة المتحدة بحلول عام 2029، مستندةً إلى النماذج الناجحة في الدنمارك وإستونيا، حيث أصبحت الهوية الرقمية جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية، رغم الجدل المتزايد حول الخصوصية والمراقبة والأمن السيبراني.
في بريطانيا، أوضح ستارمر أن النظام الجديد سيكون تطبيقًا إلكترونيًا وليس بطاقة فعلية، وسيتضمن معلومات أساسية مثل الاسم، الجنسية، الإقامة، تاريخ الميلاد، والصورة الشخصية، مضيفًا أنه سيكون إلزاميًا لكل من يرغب في العمل داخل البلاد. وقالت الحكومة إنها ستأخذ “أفضل الممارسات من الأنظمة العالمية” لضمان توازن بين الكفاءة الرقمية وحماية البيانات الشخصية.
في الدنمارك، حيث أُطلق نظام MitID (هويتي) عام 2001، أصبحت الهوية الرقمية أداة رئيسية لإنجاز المعاملات اليومية، مثل الخدمات البنكية، توقيع الوثائق، أو حجز المواعيد الطبية. ويُسمح للمراهقين بالتسجيل في النظام منذ سن الثالثة عشرة، فيما يتلقّى جميع من بلغوا الخامسة عشرة رسالة رسمية تؤكد أن المراسلات الحكومية ستُرسل لهم رقميًا فقط.
ورغم إمكانية اختيار البريد الورقي، فإن 97% من الدنماركيين فوق سن الخامسة عشرة يستخدمون الهوية الرقمية. ويقول آدم ليبيخ، نائب المدير العام لوكالة الحكومة الرقمية، إن نجاح التجربة جاء بفضل ربطها بخدمات أساسية وتدريب متطوعين لمساعدة كبار السن. وأضاف: “معدلات الاستخدام مرتفعة حتى سن 85 عامًا، لكنها تنخفض بعد ذلك.”
وأشار الصحفي التقني بيتر كريستيان بيخ نيلسن إلى أن النظام “أُنجز بسلاسة بسبب الثقة العالية بين المواطنين والحكومة”، لكنه حذّر من أن التوسع في الرقمنة جعل المجتمع أكثر هشاشة في حالات الطوارئ، قائلاً: “اليوم لا يمكنك الذهاب إلى البلدية دون حجز مسبق عبر الإنترنت، وهذا يقلل من مرونتنا إذا تعطلت الأنظمة الرقمية.”
أما في إستونيا، فقد كانت من أوائل الدول التي أطلقت هوية رقمية وطنية عام 2002 بعد استقلالها عن الاتحاد السوفييتي. وقالت كريستينا كريسا، من مركز “e-Estonia”، إن الحكومة رأت في الرقمنة وسيلة لتقليل البيروقراطية وتقديم الخدمات بكفاءة، مشيرة إلى أن المواطنين يمكنهم استخدام الهوية الرقمية للتصويت إلكترونيًا، وتقديم الضرائب، والوصول إلى الخدمات البنكية.
وأكدت كريسا أن النظام مبني على مبدأ الشفافية، إذ يمتلك المواطنون حق الاطلاع على من استخدم بياناتهم، مما عزز الثقة وحدّ من المعارضة. كما أُدرج تعليم المهارات الرقمية في المدارس لضمان تقبل الأجيال الجديدة للنظام.
من جانبه، حذّر ليف كالف، أستاذ العلوم السياسية في جامعة تالين، من أن تراكم البيانات الرقمية عن المواطنين “يسمح بتحليلات واسعة لسلوك الأفراد من قبل المصارف والشرطة والسلطات الضريبية”، داعيًا إلى وضع حدود واضحة لحماية الخصوصية. كما أشار إلى أن تطور الحوسبة الكمية قد يشكّل تحديًا مستقبليًا لأنظمة الأمن السيبراني.
في المقابل، يرى مسؤولون بريطانيون أن تبني هوية رقمية آمنة سيُسهم في تسهيل الخدمات العامة، ومكافحة الاحتيال، وتحسين إدارة سوق العمل، شريطة أن ترافقه ضمانات قانونية لحماية بيانات المواطنين، كما هو الحال في التجربتين الدنماركية والإستونية.
بينما تقترب بريطانيا من دخول عصر الهوية الرقمية، تبدو التجارب الأوروبية السابقة بمثابة خريطة طريق — تحمل دروسًا في الثقة، والشفافية، وحماية الخصوصية، إلى جانب التحذير من مخاطر المراقبة والاعتماد الكامل على التكنولوجيا.