محمد أمين
كاتب فلسطيني
رئيس تحرير "منصة عرب لندن"
اعترفت بريطانيا اليوم الأحد 21 سبتمبر بالدولة الفلسطينية لتنضم لأكثر من 150 دولة سبقتها، لكن يبقى اعتراف المملكة المتحدة تحديدا يحظى برمزية خاصة ومختلفة حيث أنها البلد الذي أصدر وعد بلفور الذي شكل الوثيقة السياسية الرسمية الأولى التي نقلت المشروع الصهيوني من الأفكار إلى حيز التنفيذ وانتهت بقيام دولة الاحتلال الإسرائيلي. رمزية وأهمية أخرى للاعتراف البريطاني يتمثل في كونها الحليف الأوثق لأمريكا، ومع ذلك فشلت واشنطن في ردعها عن الاعتراف وهذا أمر بالغ الأهمية فأية هوامش خلاف بين أمريكا وأي حليف من حلفائها المقربين هي مساحة مهمة لأنصار فلسطين والقوى الداعمة لحقوقهم.
الاعتراف مهم لكنه منقوص، إذ كان ينبغي أن يتبعه اعتذار للشعب الفلسطيني عن وعد بلفور المشؤوم ودور بريطانيا في أكبر عملية تطهير عرقي جرت عام 1948 والسطو على بلد كامل واقتلاع سكانه وطردهم وتسليم الأرض لشعب آخر، كما يتوجب على لندن أن تصحح خطأها التاريخي وذلك بدعم عملي لإقامة دولة فلسطينية وليس اعترافات رمزية.
لكن ورغم أن هذه الخطوة لن توقف حرب الإبادة ولن تدخل الطعام كما جاء حتى على لسان ديفيد لامي نفسه نائب رئيس الوزراء البريطاني، كما أنها لن توقف التهجير القسري، لكنها خطوة واعتراف بالغ الأهمية ناله الشعب الفلسطيني جراء ملحمة صمود أسطوري وأنهار من الدماء، كما أنه خطوة تراكم من عزلة إسرائيل دوليا إذ لم يبقى من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن من لم يعترف بدولة فلسطين سوى أمريكا، وهذا يقول أن واشنطن باتت معزولة كما إسرائيل في الرأي العام الدولي والمجتمع الدولي، وعكست تلك الاعترافات الدولية المتتالية التباين الواضح بين موقف الاتحاد الأوروبي المتمسك بالحد الأدنى لمقررات القانون الدولي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وبين موقف الإدارة الأمريكية المتبني بالكامل لمشاريع اليمين المتطرف في إسرائيل الأيديولوجية والدينية وليس فقط السياسية.
هذه الاعترافات تأتي بعد سنتين من الإبادة الجماعية، وهي هزيمة واضحة لحكومة اليمين الفاشي في إسرائيل، لكنها لن تكون مؤثرة إلا إذا ترجمت لسياسات واضحة تلجم إسرائيل وتوقفها عن المضي في إبادة الشعب الفلسطيني وضم الضفة الغربية، ولتحقيق ذلك لابد من فرض عقوبات اقتصادية وأوروبية على تل أبيب، وحظر تصدير السلاح لها، ودعم العدل الدولية والجنائية الدولية، وفرض سياسات عقابية مشابهة تماما لما تم اتخاذه ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وإلا ستكون فقط محاولة رسمية من تلك الدول لامتصاص غضب شعوبها الذي عبرت عنه بمظاهرات عارمة على مدار عامين، ومحاولة للتهرب من المسؤولية الأخلاقية عن الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل.
وحيث نتحدث عن رمزية وأهمية طوفان الاعترافات الدولية، تحضر ضرورة توحيد الصف الفلسطيني، وإنهاء الانقسامات كحاجة ملحة وآنية وغير قابلة للتأجيل، لأن استثمار هذه المتغيرات الدولية يحتاج قيادة وطنية فلسطينية موحدة، وتوحيد الصفوف لوقف الإبادة والتطهير العرقي ومراكمة الضغط لإنهاء العدوان وتحقيق العدالة للشعب الفلسطيني، ولن يترجم ذلك لإنجاز حقيقي ملموس مالم يتولى الفلسطينيون أنفسهم تلك الحملة ويقودوها في لحظة هي الأخطر من النكبة الأولى نفسها.
وأخيرا لا يمكن أن تقدم أوروبا على خطوات تصعيدية ضد إسرائيل وتبقى الدول العربية على حالها في العلاقة مع دولة الاحتلال، فيجب قطع العلاقات مع إسرائيل وإنهاء اتفاقات السلام، وإغلاق المجال الجوي أمام الطائرات العبرية، وإعلان إسرائيل دولة عدو، ودعم الشعب الفلسطيني بالضغط الحقيقي بأوراق متوفرة لدى الحكومات العربية لوقف حرب الإبادة ورفع الحصار، وإدخال المساعدات جنبا إلى جنب مع إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعدم الوقوف موقف المتفرج فيما تواصل إسرائيل إبادة الشعب العربي الفلسطيني، كما لا يمكن مطلقا أن تثور الشعوب الغربية وتبقى الشعوب العربية خاملة صامتة، إلا من رحم ربي في اليمن والمغرب وما قوافل تونس عنهما ببعيد.
نعرف أن كل الشعوب العربية والمسلمة مع فلسطين، ونقدم لهم الشكر والامتنان ونشعر بحرقة قلوب تشعر بالعجز في ظل أنظمة مستبدة، تجرم المظاهرات وتحاصر أي فعل داعم لفلسطين، لكن هذه لحظة العمل والتحدي ،هي معركة الحرية ليس لفلسطين وإنما للأمتين العربية والإسلامية جمعاء، بل هي معركة الإنسانية في مقابل البربرية والتوحش، وتستحق كل التضحيات، وأهمها كسر حاجز الخوف.