عرب لندن
نشرت صحيفة The Guardian البريطانية تقريرًا إنسانيًا صادمًا بعنوان:
"We faced hunger before, but never like this: skeletal children fill hospital wards as starvation grips Gaza"
(واجهنا الجوع من قبل، لكن ليس بهذا الشكل: أطفال كالهياكل العظمية يملأون المستشفيات مع اجتياح المجاعة لغزة).
رصد التقرير تصاعد أزمة الجوع في القطاع، حيث تكتظ المستشفيات بأطفال يعانون من الهزال الحاد، وسط نقص حاد في الغذاء والدواء. الصحيفة وثقت حالة الطفل محمد، البالغ من العمر سبعة أشهر، والذي يزن أقل من 4 كغم، وقد أُدخل المستشفى للمرة الثانية بسبب سوء التغذية، بينما تقضي جدته يومها بجوع دائم، إذ لم تأكل في اليوم السابق سوى رغيف خبز كلّفها 15 شيكلًا (حوالي 3 جنيهات إسترلينية).
قالت الجدة، فايزة عبد الرحمن: "أخشى أن أفقد حفيدي. عشنا الجوع من قبل، لكن ليس بهذا الشكل. هذه أقسى مرحلة مررنا بها". وأضافت أن إخوة محمد أيضًا يعانون من الجوع، وينامون في كثير من الأيام دون طعام. الطفل وُلد بصحة جيدة، لكن والدته لم تتمكن من إرضاعه بسبب سوء تغذيتها، ولم تتمكن العائلة سوى من الحصول على عبوتين فقط من الحليب الصناعي منذ ولادته.
في مستشفى "جمعية أصدقاء المريض"، تتقاسم عشرات الحالات أسرّة الأطفال الاثني عشر المتوفرة، في ظل بقاء فريقين فقط من أطباء الأطفال في غزة. يستقبل المستشفى نحو 200 طفل يوميًا، معظمهم يعانون من أعراض الجوع الحاد وسوء التغذية.
الطبيب مصعب فروانة، أحد الأطباء القلائل المتبقين، يقول: "في كثير من الأحيان نعلم أن الطفل يحتاج فقط إلى علاج بسيط للبقاء على قيد الحياة، لكننا لا نملكه. فقدنا هذا الأسبوع ثلاثة أطفال، أحدهم طفلة كان يمكن إنقاذها لو توفر البوتاسيوم الوريدي، لكنه غير موجود في غزة".
وأشار إلى أن سوء التغذية المزمن لدى الأطفال يجعلهم عرضة للأمراض، ويقوّض مناعتهم، في وقت تمنع فيه إسرائيل دخول الأدوية والإمدادات الطبية الأساسية.
خارج المستشفيات، لا يبدو المشهد أقل قسوة. في حي الوحدة بمدينة غزة، قررت أم يوسف الخالدي التوجه إلى أحد مراكز توزيع الطعام التابعة لـ "مؤسسة غزة الإنسانية" (GHF) رغم المخاطر، بعد أن أمضت عائلتها أربعة أيام بلا طعام. تقول: "كنا نُسكت جوعنا بالماء فقط. أطفالي أصبحوا جلدًا على عظم، وكل جهد يبذلونه يُنهكهم. لا أملك ما أقدّمه لهم، ولا يمكنني أن أعدهم بشيء أعلم أني لن أستطيع توفيره".
كانت الأسرة تعتمد على بعض المساعدات المحدودة من المارة، مثل كيس أرز وحبتين من البطاطا تم تقاسمهما بين ثمانية أفراد. أطفالها، الذين كانوا يتفوقون دراسيًا قبل الحرب، أصبحوا اليوم يجلسون على الأرصفة تحت مسجد مدمر، يحاولون بيع أساور بسيطة لا تلقى رواجًا في ظل الغلاء المدقع.
بحسب التقرير، ارتفعت أسعار المواد الأساسية بشكل جنوني، حيث يُباع الدقيق الآن بأكثر من 30 ضعف سعره السابق. وقد وثّقت السلطات الصحية 43 حالة وفاة بسبب الجوع خلال 3 أيام فقط، بينما بلغ عدد الوفيات المرتبطة بالمجاعة أكثر من 100 حالة منذ بداية العام.
وقالت أكثر من 100 منظمة إنسانية، من بينها "أطباء بلا حدود" و"أوكسفام" و"أنقذوا الأطفال"، في بيان مشترك: "نحن نشهد زملاءنا وشركاءنا يذبلون أمام أعيننا". كما أكدت نقابة الصحفيين في وكالة الأنباء الفرنسية (AFP) أن الوكالة تواجه للمرة الأولى خطر فقدان صحفي من طاقمها بسبب الجوع.
مدير منظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم، قال الأربعاء: "نسبة كبيرة من سكان غزة تتضور جوعًا. لا أجد وصفًا أدق مما يجري سوى أنه مجاعة جماعية – من صنع الإنسان".
وتؤكد الصحيفة أن هذه الكارثة جاءت نتيجة مباشرة للقيود الشديدة التي فرضتها إسرائيل على دخول المساعدات إلى غزة، والتي اشتدت منذ 2 مارس حين فُرض حصار كامل على القطاع. وعلى الرغم من إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 19 مايو رفع الحصار، قال التقرير إن "القرار لم يكن أكثر من محاولة لتهدئة الضغوط الدولية، دون تغيير حقيقي في حجم الإمدادات".
تسعى إسرائيل الآن إلى تحويل جميع المساعدات عبر منظمة أمريكية غامضة تُدير أربع نقاط توزيع عسكرية، وصفها سكان غزة بـ"مصائد الموت"، حيث قُتل المئات أثناء محاولتهم الوصول إلى الطعام. وتشير البيانات إلى أن ما تم إدخاله من مساعدات خلال 58 يومًا عبر مؤسسة GHF، لا يكفي لإطعام سكان غزة لأكثر من 13 يومًا حتى لو وُزّع بشكل عادل.
ويختم التقرير بتحذير شديد: مع تفاقم الأزمة، يقف أكثر من 2.1 مليون فلسطيني في غزة على حافة مجاعة شاملة، بينما يواصل العالم مشاهدة الكارثة دون تدخل فعّال.