عرب لندن
اعتمد مجلس بلدية هاستينغز مساء أمس قرارًا تاريخيًا لا يطالب فقط بوقف فوري لإطلاق النار في غزة، بل يدعو أيضًا إلى وقف فوري لجميع مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل، ويؤكد على روابط الصداقة العميقة التي تجمع المدينة بشعب منطقة المواصي، المعروفة بأنها "المنطقة الآمنة" في جنوب غزة، حيث أُجبر عشرات الآلاف من الفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرائيلي قبل أن تتعرض المنطقة لقصف متواصل.
ويأتي هذا القرار بعد ثلاث محاولات سابقة خلال 21 شهرًا سعى فيها أعضاء من المجلس إلى تمرير قرار بوقف إطلاق النار، إلا أن محاولاتهم كانت محبطة من قبل جناح اليسار المعتدل في حزب العمال، حيث تم إلغاء اجتماع كامل للمجلس العام الماضي من قبل عمدة حزب العمال آنذاك لمنع تمرير القرار.
وأصبحت مدينة هاستينغ جنوب بريطانيا أول مدينة بريطانية تصوّت لصالح التوأمة مع منطقة في غزة، وذلك بعد أن أقرّ مجلسها المحلي أمس التوأمة مع منطقة المواصي جنوب القطاع.
ويُعد هذا القرار سابقة في ظل معارضة السلطة الفلسطينية وسفارتها في لندن لأي توأمة مع غزة خلال السنوات الماضية، حيث كانت الاتفاقيات تُحصر في مدن وجامعات الضفة الغربية فقط. ففي عام 2017، تراجعت مدينة إدنبرة عن مشروع توأمة مع غزة بعد رفض السفارة الفلسطينية للخطوة، خشية تعارضها مع قوانين الإرهاب البريطانية.
ويُعتبر مجلس هاستينغز المجلس الثاني والعشرين على مستوى المملكة المتحدة الذي يصدر قرارًا يدعو إلى وقف إطلاق النار.
وخلال نقاش استمر لأكثر من ساعة، أكد العديد من أعضاء المجلس على أهمية القرار، الذي تم تمريره بأغلبية 14 صوتًا من أعضاء حزب الخضر ومجموعة هاستينغز المستقلة، مقابل 3 أصوات معارضة و11 امتناعًا، معظمهم من أعضاء حزب العمال.
وقد اقترح القرار العضو يونس سميث من حزب الخضر، متحدثًا عن الروابط العميقة التي بنى سكان هاستينغز من خلال سنوات عديدة من التواصل عبر مكالمات الزوم ومحادثات الواتساب مع لجنة المقاومة الشعبية في مجتمع المواصي الساحلي في غزة. وأشار إلى أن السكان المحليين جمعوا أموالاً لدعم بناء مشاريع مثل تركيب ألواح شمسية وبئر ومخبز وتوزيع طرود غذائية ومواد تعليمية. ودعا أعضاء المجلس للوقوف ضده "فظائع الإبادة الجماعية"، مضيفًا: "من مدينة ساحلية إلى أخرى، أظهرنا أن التضامن والكرامة والاتصال الإنساني تتألق أكثر من القسوة. المواصي، مثل هاستينغز، ليست فقط أرضًا بل شعبًا صامدًا ينهض ويتحمل ويدعونا لنشهد كفاحهم وقوتهم."
وأكد سميث: "مجلس بلدية هاستينغز هو مجلس ملاذ. هذا يعني أننا نسعى لمجتمع أفضل، نقف مع المضطهدين أينما كانوا. وفي هذه الحالة، لنكن واضحين تمامًا: الاحتلال هو الظالم، والمحتلون هم المضطهدون. كونوا جريئين وشجعان، وقفوا مع فلسطين، وقفوا من أجل العدالة، وقفوا إلى جانب التاريخ. حرروا فلسطين."
وقد لقي الخطاب تصفيقًا حارًا من الحضور الذي امتلأت به القاعة، حيث حضر أكثر من أربعين من سكان المدينة لمتابعة النقاش، بينهم أعضاء من حركة "اليهود من أجل العدالة" بملابس تحمل شعار "ليس باسمنا"، وأعضاء من جمعية "أصدقاء المواصي" ومجموعة دعم فلسطين في هاستينغز والمنطقة.
وقد تحدث عدد من أعضاء حزب العمال خلال النقاش، معبرين عن إدانة "الفظائع" التي تحدث في غزة، لكنهم أكدوا أنهم لا يستطيعون دعم القرار بسبب ارتباطه بروابط الصداقة مع المواصي، وادعوا عدم معرفتهم الكافية عن المجموعة الشعبية هناك.
وقال قائد حزب الخضر في المجلس، العضو جلين هافندين، إنه تلقى رسائل أكثر بشأن هذا الموضوع من سكان المدينة مقارنة بأي قضية أخرى منذ أن أصبح عضوًا في المجلس. وأشار إلى أن جمعية "أصدقاء المواصي" شاركت في مهرجان سانت ليوناردز المعروف في عطلة نهاية الأسبوع السابقة، حيث أتيحت الفرصة لأي عضو من أعضاء المجلس للتحدث معهم والإجابة على أي استفسارات.
وقد دعم القرار العضو سايمون ويليس من مجموعة هاستينغز المستقلة، متحدثًا عن عائلة والدته اليهودية التي هربت من هامبورغ خلال الحرب العالمية الثانية، مشيرًا إلى أن كثيرين من أقاربه الذين بقوا في ألمانيا قضوا في أوشفيتز. وقال:
"حاولت جدتي وجدّي ووالدتي أن يعلّموني دروسًا عن الطغيان والظلم وعدم المساواة والحرب. هذا علمني أن أخاف بشدة من أولئك الذين يقدّرون مجموعة واحدة على حساب أخرى، وحياة مجموعة على حساب أخرى. وبناءً على ذلك، علّموني أن أتعرف على الإبادة الجماعية عندما أراها، وأقدّر من يقفون ضدها بغض النظر عن العواقب الشخصية."
وأضاف: "أولئك الذين يصمتون أو يسايرون استمرار الإبادة الجماعية عبر الخوف أو الغضب أو المبررات القانونية، سيُحاسبون من قبل التاريخ، تمامًا كما يُحاسب الرجال القدامى الذين يرتكبون هذه العنف في إسرائيل ويجلبون العار لأجدادهم والخطر لجميع اليهود في العالم، بما في ذلك زوجتي وأولادي. أنا أؤيد هذا القرار لأقف مع أجدادي، وأدعوكم لإيجاد إنسانيتكم والانضمام إليّ وإلى يونس في دعم هذا القرار المهم."
وعند إقرار القرار، عمّت القاعة هتافات وتصفيق، حيث تبادل أعضاء المجلس والجمهور العناق ودموع الفرح والحزن. وقالت إحدى سكان المدينة، كاثرين إيفا، بعد الاجتماع:"تأثرت بعمق وفخورة بحضوري اجتماع الليلة. كان تمرير القرار أكثر من لحظة سياسية، كانت لحظة أخلاقية. بيان تضامن وإنسانية وأمل. ما لفت انتباهي أكثر كان الخطابات الشخصية والمؤثرة لأعضاء المجلس الذين تأثروا مباشرة بالإبادات السابقة، أو الذين وجدوا في ضميرهم الشجاعة للتصويت لهذا القرار. عزيمتهم على عدم الصمت أمام الظلم ذكرتنا جميعًا أن التاريخ يراقبنا."