عرب لندن

أبرمت الحكومة البريطانية اتفاقًا موسّعًا مع شركة "جوجل" الأمريكية، يمنح الشركة موطئ قدم داخل القطاع العام، من دون أي تبادل مالي. ويشمل الاتفاق تقديم خدمات تكنولوجية مجانية، وتدريب عشرات الآلاف من موظفي الخدمة المدنية على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، في خطوة وصفتها منظمات حقوقية بـ"الساذجة بشكل خطير".

ووفقًا لما أعلنته وزارة العلوم والابتكار والتكنولوجيا (DSIT)، ستعمل "جوجل كلاود" على تحديث البنية التحتية الرقمية في مؤسسات الدولة، بما في ذلك هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) والمجالس المحلية، عبر تكنولوجيا تُسهم في التخلص من الأنظمة القديمة المعرّضة للتهديدات الإلكترونية. كما سيتعاون فريق "ديب مايند" – ذراع الذكاء الاصطناعي في جوجل – مع خبراء حكوميين لدعم تطبيق التقنيات الناشئة في القطاع العام.

لكن الاتفاق أثار مخاوف واسعة بين خبراء التكنولوجيا والمنظمات الحقوقية، إذ اعتبرت منظمة "فوكس جلوف" الحقوقية أن تسليم "مفاتيح مملكة البيانات" لشركة أمريكية كبرى تُعد خطوة "ساذجة وخطيرة"، خاصة في ظل احتمالات تخزين بيانات حساسة على خوادم أمريكية. وتساءلت المديرة المشاركة للمنظمة، مارثا دارك، عن قدرة الحكومة على محاسبة شركات داعمة لترامب مستقبلاً، في حال نشوب خلافات سياسية أو قانونية.

من جهتها، حذّرت إيموجين باركر، المديرة المساعدة في "معهد آدا لوفليس"، من أن مثل هذه الصفقات قد تُقيد قدرة المملكة المتحدة على تغيير الشركاء التقنيين مستقبلًا، قائلة: "قد تبدو مجزية الآن، لكنها تهدد بحرماننا من حرية البدائل لاحقًا".

وأعرب خبراء رقميون في وايتهول عن قلقهم من أن تتحول الصفقة إلى شكل جديد من التبعية لشركات التكنولوجيا الكبرى، وهو ما قد يرسّخ الهيمنة السوقية لجوجل على حساب شركات بريطانية أصغر تسعى للدخول إلى هذا القطاع.

الاتفاق، الذي لم يُطرح في مناقصة عامة، تم تبريره بعدم وجود تبادل مالي، إلا أن الحكومة أكدت أنه سيخضع لقوانين الشفافية والمشتريات العامة، وقد يُدرج في اتفاقيات تجارية مستقبلية. كما أوضحت أن جوجل لن يُسمح لها باستخدام البيانات الحكومية في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، أو تخزينها خارج البلاد من دون ضمانات قانونية وأمنية صارمة.

وتأتي هذه الخطوة في سياق أوسع من التعاون مع شركات تكنولوجيا أمريكية كبرى. فشركة "بالانتير" على سبيل المثال، كانت قد قدمت خدمات للحكومة البريطانية خلال جائحة 2020 مقابل جنيه إسترليني واحد، قبل أن تفوز بعقد بقيمة 330 مليون جنيه لاحقًا لبناء منصة بيانات موحدة لهيئة NHS.

كما دخلت شركات مثل مايكروسوفت وأوبن إيه آي وأنثروبيك في شراكات مشابهة لتقديم أدوات رقمية وذكاء اصطناعي لموظفي الحكومة، في محاولة لتعزيز كفاءة القطاع العام المحاصر بالأزمات المالية.

بيتر كايل، وزير العلوم والتكنولوجيا، أعلن عن الاتفاق خلال فعالية استضافتها جوجل في لندن، مشددًا على أهمية الشراكة لتسريع التحول الرقمي وتحقيق قيمة مضافة لدافعي الضرائب. ودافع كايل عن تواصله الكثيف مع شركات التكنولوجيا، قائلاً: "لا أعتذر عن لقائي بهذه الشركات. هذا هو جوهر عملي: ضمان سلامة الأطفال على الإنترنت، واستعداد بريطانيا لتحديات الذكاء الاصطناعي، وتحقيق أفضل الصفقات للقطاع العام".

وبحسب سجلات وزارة العلوم، عقد كايل 11 اجتماعًا رسميًا مع ممثلين عن جوجل منذ تولّي حكومة حزب العمال مهامها، حتى نهاية مارس الماضي.

ورغم الانتقادات، تُظهر تجارب سابقة بعض الفوائد المباشرة لتطبيق أدوات الذكاء الاصطناعي. ففي تجربة حكومية حديثة لاستخدام أداة "مايكروسوفت AI Copilot"، وفّر 20 ألف موظف حكومي نحو 26 دقيقة يوميًا، وأعرب 82% منهم عن رفضهم للعودة إلى أساليب العمل السابقة.

لكن التساؤلات الجوهرية تبقى قائمة: ما الذي ستحصل عليه جوجل في المقابل؟ وكيف ستؤثر هذه الصفقات على استقلالية السياسات الرقمية في المملكة المتحدة خلال السنوات القادمة؟

السابق مقتل شاب طعنًا أمام شريكته في لندن خلال محاولة سرقة ساعة "رولكس"
التالي أسرة فلسطينية عالقة في غزة ترفع دعوى قضائية لإجبار بريطانيا على مساعدتها في المغادرة