يعتزم كير ستارمر تخفيف آثار التغييرات المقترحة على نظام الهجرة في المملكة المتحدة، عقب موجة غضب داخل حزب العمال وتدخل لافت من نائبته السابقة أنجيلا راينر.
وذكر موقع صحيفة “الغارديان” The Guardian أن رئيس الوزراء يدرس استثناء أعداد كبيرة من المهاجرين من القواعد الجديدة، التي تقضي بتمديد فترة الانتظار للحصول على الإقامة الدائمة من خمس إلى عشر سنوات، في خطوة تهدف إلى احتواء التمرد داخل حزبه والحفاظ على تماسكه.
وبحسب المقترحات، سيُطلب من معظم المهاجرين الانتظار عشر سنوات للتأهل للحصول على وضع الإقامة الدائمة، بدلاً من النظام الحالي. غير أن مشاورات الحكومة قد تفتح الباب أمام استثناءات تشمل العاملين في القطاع العام، وكذلك أولئك الذين باتوا على وشك الحصول على هذا الوضع.
ويناقش الوزراء حاليًا مدى توسيع نطاق هذه الاستثناءات، في حين أكدت رئاسة الوزراء أن التعديلات لن تشمل جميع من وصلوا بالفعل إلى البلاد، رغم مطالبات داخل الحزب، من بينها راينر، بتطبيق استثناءات أوسع.
وقال متحدث باسم داونينغ ستريت إن الحكومة تسعى إلى بناء “نظام هجرة عادل وفعّال”، مشيرًا إلى أن السياسات الجديدة تأتي بعد سنوات من تسجيل مستويات قياسية للهجرة قبل الانتخابات الأخيرة، وأن الرد النهائي سيستند إلى نتائج مشاورات وزارة الداخلية.
وكانت وزيرة الداخلية شبانا محمود قد أعلنت الحزمة الجديدة في وقت سابق من هذا الشهر، ضمن جهود للحد من أعداد الوافدين، وتشمل تحويل وضع اللاجئ إلى مؤقت بدلًا من دائم، إلى جانب مضاعفة مدة الإقامة المطلوبة.
كما تضمنت الخطة برنامجًا تجريبيًا يمنح ما يصل إلى 40 ألف جنيه إسترليني للعائلات التي رُفضت طلبات لجوئها مقابل مغادرة البلاد طوعًا، مع التلويح بالترحيل القسري في حال الرفض، حتى لو استدعى ذلك تقييد الأطفال.
وأكدت محمود أن من أبرز عناصر الإصلاح تطبيق التغييرات بأثر رجعي، خاصة على مئات الآلاف ممن دخلوا البلاد خلال حكومة بوريس جونسون، مشيرة إلى أن نحو 2.5 مليون شخص دخلوا المملكة المتحدة بين عامي 2021 و2024. وأضافت أنه في حال عدم اتخاذ إجراءات، سيصبح نحو 350 ألف عامل منخفض المهارات ومُعاليهم مؤهلين للحصول على الإقامة الدائمة خلال السنوات الخمس المقبلة، مع ما يترتب على ذلك من استحقاقات اجتماعية وخدمية.
وتأتي هذه التحركات في سياق تشديد سياسة الهجرة ردًا على صعود حزب “إصلاح المملكة المتحدة” بقيادة نايجل فاراج، إلا أنها أثارت انتقادات واسعة داخل حزب العمال، خصوصًا بعد نتائج انتخابية أظهرت تنامي نفوذ التيار اليساري، بما في ذلك فوز حزب الخضر في انتخابات فرعية.
وقد وقّع نحو 100 نائب من حزب العمال رسالة تعارض هذه الإجراءات، معتبرين أن “استعادة ثقة الجمهور في نظام اللجوء لا يمكن أن تتم عبر التهديد بالترحيل القسري لأشخاص عاشوا في البلاد بشكل قانوني لسنوات طويلة”.
وفي هذا السياق، شبّهت النائبة سارة أوين، من تيار “تريبيون” المنتمي ليسار الوسط، التهديد باستخدام القوة ضد الأطفال بأساليب وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية خلال إدارة دونالد ترامب.
كما انتقدت راينر التعديلات المقترحة، مؤكدة أن تغيير معايير الإقامة الدائمة بشكل متكرر “يقوّض مبدأ العدالة ويتعارض مع القيم البريطانية”.
ورغم تمسك داونينغ ستريت بعدالة المقترحات، تشير مصادر حكومية إلى أن الوزراء يراجعون حاليًا ردود المشاورات بدقة لتحديد نطاق الاستثناءات المحتملة.
وتتضمن الخطط أيضًا مسارات سريعة لبعض الفئات، إذ يمكن لمن يتقاضون رواتب مرتفعة تصل إلى 125,140 جنيهًا إسترلينيًا سنويًا التأهل خلال ثلاث سنوات، بينما يُمنح العاملون في القطاع العام مسارًا يمتد لخمس سنوات.
في المقابل، سيواجه من تلقوا إعانات حكومية قيودًا أطول، حيث قد يُطلب منهم الانتظار 15 عامًا إذا كانت فترة تلقي الإعانات أقل من عام، و20 عامًا إذا تجاوزت تلك المدة.
وفي محاولة لاحتواء الغضب داخل الحزب، عقد ستارمر اجتماعًا في داونينغ ستريت مع نواب من خلفيات أفريقية وأقليات عرقية، بحضور وزير العدل ديفيد لامي، بعد تصاعد الضغوط لعقد مشاورات مباشرة.
وأعرب عدد من النواب عن “إحباط كبير” من تعامل القيادة مع الملف، مشيرين إلى أن الحكومة لا تُصغي بشكل كافٍ للمخاوف المطروحة، سواء من حيث المضمون أو أسلوب الطرح، فيما وصف أحدهم السياسة بأنها “معيبة منذ البداية”.
ويعكس هذا الجدل حجم التحدي الذي يواجهه ستارمر في تحقيق توازن بين تشديد سياسات الهجرة واحتواء الانقسامات داخل حزبه.