حلمي الحراحشة - رئيس المنتدى الأردني في بريطانيا

تشهد بريطانيا مرحلة دقيقة من تاريخها السياسي والاجتماعي، إذ يتصاعد الخطاب اليميني ويزداد تأثيره في الشارع، مستنداً إلى أزمات معيشية حقيقية وشعور عام بالقلق من المستقبل. ومع ذلك، فإن هذه الموجة ليست سوى جزء من مشهد أوسع، يتكوّن من صراع بين الخوف من التغيير، والأمل في وطن أكثر عدلاً وشمولاً.

في الأشهر الأخيرة، برز حزب Reform UK بوصفه واجهة سياسية جديدة للتيار اليميني الشعبوي، مستفيداً من الغضب الشعبي تجاه النخبة السياسية ومن تصاعد الجدل حول الهجرة والحدود. لكن هذا الصعود لا يعني بالضرورة أن البلاد تتجه نحو التطرف، بل يعكس فراغاً في الثقة بين المواطن والدولة، واستجابة نفسية لأزمات اقتصادية واجتماعية لم تجد حلولاً ملموسة منذ سنوات.

ورغم محاولات اليمين المتشدد استثمار هذه الحالة عبر تصوير المهاجرين واللاجئين كمصدر تهديد، إلا أن الواقع أكثر تعقيداً. فإلى جانب هذه التيارات، تقف شريحة واسعة من المجتمع البريطاني وخصوصاً جيل الشباب بين الثامنة عشرة والثلاثين موقفاً مختلفاً تماماً. هذا الجيل، الذي نشأ في مدارس وجامعات متعددة الثقافات وتربى في بيئة رقمية منفتحة على العالم، يُظهر وعياً لافتاً في مواجهة الخطابات الإقصائية. 

في لقاءات متلفزة حديثة، واجه شباب قادة تلك الأحزاب، رافضين علناً سرديات الخوف ومؤكدين أن هذه الخطابات لا تستهدف المهاجرين فحسب، بل تهدد قيم بريطانيا نفسها. بالنسبة لهؤلاء، الوطن ليس لوناً أو أصلاً، بل التزامٌ جماعي بالمساواة والاحترام والمسؤولية المشتركة.

تحليل الظاهرة بعمق يكشف أن جذورها ليست في الكراهية وحدها، بل في اقتصاد هشّ وسياسة منغلقة وإعلام مضطرب. فحين تتآكل الثقة بالمؤسسات، يصبح الخطاب البسيط والجذّاب وسيلة للهروب من التعقيد. غير أن الرد لا يكون في السخرية من مؤيدي اليمين أو شيطنتهم، بل في معالجة ما غذّى إحباطهم: البطالة، ضعف الخدمات، وانعدام العدالة في توزيع الفرص.

إنّ مسؤولية مواجهة هذا المسار لا تقع على الحكومة وحدها، بل على المجتمع المدني والمواطنين والمهاجرين جميعاً. المشاركة في المجالس المحلية، دعم التعليم والتدريب، والانخراط في النقاش العام هي أدوات المواطنة الفعّالة. فالمهاجر الذي يعمل، ويشارك، ويتحدث بوعي، لا يمكن اختزاله في خطاب “الآخر”، بل يصبح جزءاً أصيلاً من الحل الوطني.

الأجيال الجديدة تُظهر أن بريطانيا ليست حبيسة الماضي، وأن مستقبلها لا يُكتب بالخوف بل بالشجاعة. هؤلاء الشباب، بوعيهم وتنوعهم، يرسلون رسالة بسيطة وعميقة في آن: نحن بريطانيا، وكل ما يهدد أحدنا يهددنا جميعاً.

إن مواجهة اليمين المتشدد لا تكون بتشريعات قاسية أو شعارات مثالية، بل بإعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة، وتوسيع مفهوم الانتماء ليشمل الجميع. حين ننظر لأنفسنا أولاً كبريطانيين متساوين في الحقوق والواجبات، يسقط جدار الانقسام، وتستعيد بريطانيا ملامحها التي عرفها العالم: وطن يتسع للجميع، يعيش فيه الناس باختلافهم لا رغم اختلافهم.

السابق السفير الأردني يلتقي الجالية في لندن ويفتح حواراً لحل مشاكلهم - فيديو
التالي ندوة بتنظيم "عرب لندن": تصاعد اليمين المتطرف يهدد أنصار فلسطين والجاليات العربية