عرب لندن

تواجه هيئة الخدمات الصحية الوطنية في إنجلترا (NHS) فاتورة ضخمة تصل إلى 27 مليار جنيه إسترليني نتيجة إخفاقات جسيمة في رعاية الأمومة، وسط تصاعد الدعاوى القضائية عقب وفاة أو إصابة مئات الأطفال والنساء خلال السنوات الأخيرة.

وكشفت صحيفة "الغارديان" The Guardian أن الفاتورة المقدّرة تمثل عبئًا ماليًا "صادمًا للغاية"، مدفوعًا بسلسلة من فضائح سوء الرعاية في المستشفيات، أدت إلى ارتفاع غير مسبوق في عدد مطالبات التعويض. وتُظهر بيانات رسمية أن عدد الدعاوى القضائية المرتبطة بأخطاء التوليد تضاعف تقريبًا منذ عام 2007، ليصل إلى نحو 1400 دعوى سنويًا بحلول عام 2023.

وارتفعت القيمة التقديرية لمطالبات الإهمال في خدمات الأمومة منذ عام 2019 إلى 27.4 مليار جنيه، متجاوزة بكثير ميزانية الهيئة لخدمات المواليد الجدد خلال نفس الفترة، والبالغة نحو 18 مليار جنيه. وتشمل هذه التكلفة ليس فقط التعويضات المالية، بل أيضًا نفقات قانونية ضخمة، إذ أنفقت الهيئة 24.6 مليون جنيه على قضايا لم تُفضِ إلى أي تعويض.

وقالت النائبة العمالية بوليت هاميلتون، القائمة بأعمال رئيسة لجنة الصحة في مجلس العموم، إن الأرقام "تمثل عددًا هائلًا من الوفيات والإصابات للأمهات والأطفال"، مؤكدة أن الكلفة المادية تُعد مذهلة وتعكس فشلًا ممنهجًا في تقديم الرعاية.

وفي أحدث تقريرها السنوي، أفادت منظمة NHS Resolution بأن تكلفة تسوية مطالبات الأمومة وصلت إلى 37.5 مليار جنيه، أي ما يعادل قرابة ثلثي إجمالي التزامات الهيئة من قضايا الإهمال الطبي، البالغة 60 مليار جنيه. ووصف عدد من كبار النواب هذا الرقم بأنه "مذهل".

واعتبر وزير الصحة المحافظ السابق، جيريمي هانت، أن إنفاق الهيئة على دعاوى الأمومة أكثر من التكلفة التشغيلية الكاملة لخدمات الأمومة "يجب أن يُعد وصمة عار وطنية"، مشيرًا إلى أن النظام الصحي لا يزال عاجزًا عن التعلم من أخطائه، وسط بيئة يخشى فيها الأطباء من العقوبات عند الاعتراف بها.

واتهمت جيس براون فولر، المتحدثة باسم حزب الليبراليين الديمقراطيين، الحكومة بإهمال "فاضح" لخدمات الأمومة، مضيفة أن الأرقام تعكس حجم الأزمة التي تعانيها آلاف العائلات المتضررة.

وبينما أوضح مصدر في هيئة NHS أن نصف المطالبات قد لا تسفر عن تعويضات، أشار إلى أن الحالات التي تُفضي إلى تسويات تشمل في الغالب أضرارًا دائمة وخطيرة. ففي الفترة بين عامي 2006 و2024، تم دفع ما يصل إلى 1.7 مليار جنيه بسبب الإخفاق في الاستجابة لمعدلات ضربات قلب الجنين غير الطبيعية، و1.55 مليار جنيه أخرى نتيجة سوء مراقبة المرحلة الثانية من المخاض، إلى جانب 247 مليون جنيه كتعويض عن عيوب خلقية ناجمة عن الإهمال السريري.

وسجّلت هيئة الخدمات الصحية في مستشفيات ليدز، التي خُفِّض تصنيف وحدات التوليد فيها الشهر الماضي، دفع نحو 72 مليون جنيه كتعويضات لـ107 حالات تقصير في التوليد خلال تسع سنوات، شملت 13 وفاة و14 حالة ولادة جنين ميت. وفي نوتنغهام، بلغت تعويضات الهيئة نحو 60 مليون جنيه لـ80 مطالبة تتعلق بأضرار سريرية، بينها سبع وفيات. وتخضع هذه الهيئة حاليًا لتحقيق جنائي واسع النطاق في شبهة القتل غير العمد بسبب الضرر الجسيم الذي طال أكثر من 2000 امرأة وطفل.

وفي سياق متصل، أفادت بيانات جديدة غير منشورة سابقًا بأن الهيئة دفعت 134 مليون جنيه خلال السنوات التسع المنتهية في مارس 2023 كتعويض لعائلات 300 امرأة و400 رضيع توفوا داخل منشآتها. وأشارت ناتالي ريتشاردسون، محامية متخصصة في قضايا الإهمال الطبي، إلى ارتفاع بنسبة 79% في قضايا الولادة والحمل التي تولتها شركتها خلال هذا العام.

وكان وزير الصحة، ويس ستريتنج، قد أمر الشهر الماضي بفتح تحقيق وطني عاجل في خدمات رعاية الأمومة، عقب سلسلة من الفضائح التي طالت مستشفيات في شروزبري وتيلفورد ونوتنغهام وبارو إن فورنيس وليدز. وكشفت مراجعة أجرتها لجنة جودة الرعاية بين عامي 2022 و2024 أن ثلثي وحدات الولادة في إنجلترا "غير كافية" أو "بحاجة لتحسين"، وأن ما يقرب من نصف الوحدات البالغ عددها 131 وحدة قدمت أداءً دون المستوى، وسط مشكلات وُصفت بأنها "منهجية" و"واسعة الانتشار"، وعلى رأسها النقص الحاد في الكوادر.

وقالت وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية إن الوضع الحالي غير مقبول، وإنها ورثت نظامًا يعاني من إخفاقات متراكمة. وأضافت أنها ملتزمة "بكسر الحلقة المفرغة" وتوفير رعاية آمنة وإنسانية للنساء والأطفال.

وأكدت هيئة NHS England أنها بصدد اتخاذ إجراءات فورية لتعزيز خدمات الأمومة، وتشديد الرقابة على المؤسسات ذات الأداء الضعيف. وأقرت بأن عددًا كبيرًا من النساء لا يحصلن على الرعاية التي يستحقنها، مشددة على التزامها بتغيير هذا الواقع.

وأشارت هيئة NHS Resolution إلى أن "التكلفة الباهظة للتعويضات تعود إلى عدد محدود من الحوادث بالغة الخطورة التي تتسبب في إصابة دماغية عند الولادة"، وأن هذه الحالات تتطلب تغطية احتياجات رعاية مدى الحياة ومعقدة، ما يعكس فداحة الأثر الإنساني والمالي لإخفاقات الرعاية.

السابق 50 ألف طبيب مقيم في إنجلترا يستعدون لإضراب وشيك عقب فشل المفاوضات الحكومية
التالي نساء بريطانيا يواجهن فترات انتظار أطول للعلاج في NHS مقارنةً بالرجال