عرب لندن / لندن - نسرين خوالد

بعد المذابح المستمرة منذ السابع من أكتوبر، والتي وضعت الشعب الفلسطيني أمام أقسى صور العزلة والدمار، طرحنا على الدكتور مصطفى البرغوثي سؤالًا بسيطًا في ظاهره، عميقًا في جوهره:
كيف يعيش الفلسطيني يومه تحت الحرب والحصار؟

فأجابنا قائلًا:  “الواقع اليوم مزيج من نقيضين: من جهة، نشهد معاني هائلة من الإجرام والقتل والتنكيل، يصعب وصفها في تاريخ البشرية — مذابح جماعية تُرتكب يوميًا، وخاصة في غزة، أمام مرأى ومسمع العالم. عندما يُقتل أو يُصاب طفل كل 17 دقيقة، وحين يبلغ عدد الشهداء من الأطفال خمسين ألفًا، فإننا أمام جريمة تتجاوز كل النماذج السابقة".

"لكن من الجهة الأخرى، نرى صمودًا إعجازيًا، أسطوريًا، من الشعب الفلسطيني.
هذا الصمود، وهذه التضحيات والمقاومة، تُظهر بطولة حقيقية.
رأيتم كيف أن مقاومًا واحدًا يمكنه أن يواجه قوة كاملة — لأن في الوجدان الفلسطيني اليوم شعورًا عميقًا أن لا مخرج إلا بالنضال والمقاومة والكفاح من أجل الحقوق."

عن تغيّر الوعي الفلسطيني بعد الحرب

سألناه عن التحولات في نظرة الفلسطينيين إلى الاحتلال والعالم، بعد كل ما جرى.
سألناه: هل تغيّر شيء؟ هل زال وهم كان موجودًا؟

فأجاب: “كلمة “ما بعد الحرب” هي خدعة دعائية، تُستخدم من قبل إسرائيل والولايات المتحدة وأطراف أخرى، وكأننا على أبواب مرحلة جديدة تُفرض فيها حلول استسلامية على الفلسطينيين. بعد فشلهم في الحسم العسكري، يريدون تحقيق أهدافهم بالوسائل السياسية. لكن هذا مرفوض تمامًا. نحن لا نقاتل الاحتلال لنستبدله باحتلال جديد بقناع دولي — لا أحد يقبل بهذا".

أما عن التحولات في الوعي الفلسطيني، فهي ثلاثة:

  1. سقوط وهم “الحل الوسط” — سقطت أوهام التسوية، وانكشف عجز المفاوضات. لم تعد هناك ثقة بإمكانية التفاهم مع المشروع الصهيوني.

  2. عودة الوعي بجذر الصراع — نحن لا نواجه فقط احتلالًا عسكريًا، بل مشروعًا استعماريًا استيطانيًا إحلاليًا يريد اقتلاع شعبنا من أرضه. هذه مواجهة وجودية.

  3. إدراك أهمية الوحدة الوطنية والديمقراطية — الشعب الفلسطيني بات يدرك أنه لا مخرج إلا بقيادة موحدة، وتمثيل ديمقراطي يعكس إرادته الفعلية، ويمنحه الحق في اختيار من يمثله.”

 

عن الجالية الفلسطينية والعربية في بريطانيا

في زيارته إلى لندن، التقينا الدكتور البرغوثي وسط حراك جماهيري نشط، بين تظاهرات، حملات، ومبادرات شعبية.
سألناه: ما الذي تتوقعه من الفلسطينيين هنا؟ وما هي الأدوار التي لا تحتمل التأجيل؟

فردّ مؤكدًا: “نحن أمام نهوض عالمي في التضامن مع الشعب الفلسطيني، لم يسبق له مثيل — وأعتقد أنه ما زال في بدايته، وسيتصاعد كما حدث في جنوب إفريقيا ضد نظام الأبارتهايد."

ما يمكن للجالية أن تفعله الآن مهم للغاية:
• أن تواكب الأحداث الجارية.
• أن تعمّق تنظيمها وتوحد صفوفها في وجه الحملات الصهيونية الدعائية التي تزداد.
• أن تندمج بشكل ذكي وفعّال في الحياة السياسية البريطانية لتكون مؤثرة، لا فقط حاضرة.

عدد اليهود في بريطانيا لا يتجاوز 300 ألف، لكنهم منظمون وفاعلون.
في المقابل، لدينا ما لا يقل عن أربعة ملايين عربي ومسلم، ولكن دون تنظيم سياسي فعّال.
لذلك، يجب أن نوجّه هذه الطاقات نحو هدف واضح اليوم: تعزيز التضامن مع الشعب الفلسطيني وتوسيع نفوذ الصوت العربي والفلسطيني في المجال العام البريطاني.”

 

عن جدوى التضامن في الخارج

سألناه أخيرًا السؤال الذي يؤرق الكثيرين في الشتات:
نحن نهتف، نكتب، نتظاهر… لكن هل يصل هذا إلى فلسطين؟ هل يشعرون بنا؟

فأجاب بنبرة قاطعة: “طبعًا يصل… بل وأكثر مما تتصورون. كل تظاهرة تخرجون فيها، كل هتاف، كل كلمة، كل لافتة — تُحدث صدى في فلسطين".

“الناس هناك يرونكم، ويشعرون بكم، ويستمدّون منكم الأمل والقوة.”

"لا تستهينوا بأي فعل، صغيرًا كان أو كبيرًا.
أنتم جزء لا يتجزأ من النضال الفلسطيني.
فالنصر لا يتحقق فقط بالبندقية أو بالصمود على الأرض، بل أيضًا بحركة التضامن العالمية التي تربط الخارج بالداخل."

هذان هما العنصران الأساسيان لتحقيق النصر:
المقاومة على الأرض، والتضامن في الخارج.
أنتم لستم فقط داعمين — أنتم شركاء في الكفاح، وفي صناعة النصر القادم.”

 

 

 

السابق ضغوط على مدير "BBC" بعد بث هتافات "الموت للجيش الإسرائيلي"
التالي رقم قياسي جديد: نحو 20 ألف مهاجر وصلوا إلى بريطانيا عبر المانش خلال 6 أشهر