لندن- عرب لندن 

تُسرق سيارة في بريطانيا كل أربع دقائق، في ظل تصاعد نشاط عصابات متخصصة في سرقة المركبات وتفكيكها وتهريبها إلى الخارج، وسط تحذيرات من نقص الموارد الشرطية وصعوبة ملاحقة الشبكات الإجرامية التي باتت تستخدم تقنيات متطورة لاختراق أنظمة الحماية.

وكشف تحقيق أجرته هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» أن سرقات المركبات في إنجلترا وويلز ارتفعت بنحو 50% مقارنة بمستوياتها قبل عقد، رغم تراجعها بنسبة 5% خلال العام الماضي، عندما سُجلت نحو 119 ألف سرقة. وفي المقابل، لم تتجاوز نسبة جرائم سرقة المركبات التي انتهت بتوجيه اتهام أو استدعاء للمحاكمة 3% خلال العام الماضي.

واستند التحقيق إلى جولات ميدانية مع الشرطة في لندن وساسكس، إضافة إلى مقابلات خاصة مع 20 ضابطا من ستة أجهزة شرطة، تحدثوا عن ضغوط العمل ونقص الموارد وصعوبة مواكبة عصابات إجرامية تتسم بالتنظيم والقدرة على التحرك بسرعة بين المناطق.

سرقات خلال ثوانٍ وتقنيات تتجاوز أنظمة الحماية

وأظهر التحقيق أن سرقة السيارات لم تعد تقتصر على لصوص يستغلون الفرص، بل تحولت إلى نشاط إجرامي مربح يمتد عبر الحدود، إذ تُسرق بعض المركبات بناء على طلبات مسبقة، ثم تُنقل إلى مناطق أخرى أو تُفكك خلال ساعات، فيما يُهرّب بعضها إلى دول من بينها الإمارات العربية المتحدة وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجامايكا.

وتعتمد العصابات على أدوات إلكترونية متطورة، تشمل مفاتيح مستنسخة وأجهزة قادرة على تجاوز أنظمة الأمان، فضلا عن تقنيات تضخّم الإشارة الصادرة عن مفاتيح السيارات الموجودة داخل المنازل، بما يسمح بفتح المركبات وتشغيلها دون الحاجة إلى المفتاح الأصلي.

وروت روز ماري كلارك، التي تعرضت لسرقة سيارتها مرتين خلال ثلاث سنوات، أن لصوصا تمكنوا في آذار/مارس الماضي من سرقة سيارتها «بي إم دبليو» من أمام منزلها خلال 35 ثانية فقط، باستخدام هوائي لتضخيم إشارة المفتاح الموجود داخل المنزل.

وفي حادثة أخرى، اقتحم رجلان ملثمان منزل مايك، البالغ من العمر 33 عاما، خلال الليل وطالباه بمفاتيح سيارته «بي إم دبليو M2». وقال إنه خشي على حياته، بينما لم تتمكن الشرطة حتى الآن من استعادة السيارة.

"لا يخشون الشرطة".. وشبكات تستغل الحدود بين المناطق

وخلال عملية ليلية في شرق لندن، رافق صحفيو «بي بي سي» ضباطا من شرطة العاصمة أثناء ملاحقة مشتبه بهم في جرائم سرقة المركبات. وتمكن الضباط من العثور على شاحنة «فورد ترانزيت» مسروقة ومطاردتها واعتقال مشتبه به خلال 25 دقيقة من تلقي البلاغ.

لكن الضباط أكدوا أن التعامل مع الجرائم الأخرى، بما فيها السرقات المسلحة والمخدرات والقيادة تحت تأثير الكحول، يستهلك وقتا وموارد كان يمكن تخصيصها لملاحقة سارقي السيارات المعروفين.

وقال أحد الضباط إن منطقة هافرينغ في شرق لندن تضررت بشدة من هذه الجرائم، مشيرا إلى أن اللصوص يستغلون الطرق الفرعية للانتقال إلى مقاطعة إسيكس المجاورة، التي تشهد بدورها نشاطا لورش غير قانونية تُعرف باسم «محال التقطيع»، حيث تُفكك السيارات وتُباع أجزاؤها أو تُصدّر.

وأضاف الضابط أن المجرمين يتحركون عبر الحدود بسهولة، بينما قد تتباطأ التحقيقات عندما تمتد أنشطتهم إلى مناطق تخضع لاختصاص أجهزة شرطة مختلفة.

ونقل التحقيق عن رجل قال إنه يستقبل السيارات المسروقة ويفككها إلى قطع، أنه لا يخشى السلطات، مدعيا أنها عاجزة عن القبض على أفراد الشبكات الإجرامية.

وتُستخدم المركبات المسروقة أحيانا في تجارة المخدرات وتهريب البشر، أو لتنفيذ عمليات سطو واقتحام، بينما تُمنح سيارات أخرى لوحات تسجيل جديدة قبل بيعها داخل بريطانيا أو خارجها.

نقص المتخصصين والتمويل يعرقلان المواجهة

وأشار التحقيق إلى أن 15 من أصل 32 جهاز شرطة في إنجلترا وويلز ردت على طلب معلومات قدمته «بي بي سي» قالت إنها لا توظف أي فاحصين متخصصين بدوام كامل في المركبات المسروقة، رغم أهمية دورهم في فحص السيارات وجمع الأدلة وتعزيز فرص ملاحقة المتورطين.

وأقرت مساعدة قائد الشرطة سارة غراهام، المسؤولة الوطنية عن مكافحة جرائم المركبات، بأن مستويات السرقة الحالية غير مقبولة، لكنها أوضحت أن ميزانيات الشرطة لا تتيح تنظيم عمليات واسعة النطاق بصورة منتظمة.

وتلجأ الأجهزة، بدلا من ذلك، إلى أسابيع مكثفة من المداهمات والملاحقات بهدف تفكيك الشبكات الإجرامية. وأسفرت عملية «أليانسز»، التي شاركت فيها 32 قوة شرطة الشهر الماضي، عن اعتقال 286 شخصا على الأقل وضبط 319 مركبة.

وفي عملية استهدفت مناطق هاستينغز وروثر في مقاطعة ساسكس خلال أيلول/سبتمبر، استعادت الشرطة ثلاث سيارات «تويوتا RAV4» مسروقة تعمل بنظام الدخول دون مفتاح، وألقت القبض على ثلاثة مشتبه بهم خلال ساعات من سرقتها.

وقال كبير المفتشين أوليفر فيشر، المسؤول عن مكافحة جرائم المركبات في ساسكس، إن الشرطة تركز مواردها على كبار أفراد الشبكات الإجرامية، بهدف ضبط أكبر قدر من الأصول وإحداث أكبر اضطراب في نشاط العصابات.

ارتفاع التأمين وخسائر بمليارات الجنيهات

ولا تقتصر تداعيات سرقة السيارات على أصحاب المركبات، بل تمتد إلى عموم السائقين عبر ارتفاع تكاليف التأمين. ووفقا للمعهد الملكي للخدمات المتحدة للدراسات الأمنية والدفاعية «روسي»، ارتفعت عروض تأمين السيارات في بريطانيا بنسبة 82% منذ عام 2021، فيما تُقدّر الكلفة الاقتصادية لجرائم المركبات بنحو 1.7 مليار جنيه إسترليني سنويا.

وقال إيلي غلانتز، المتخصص في الجريمة المنظمة والشرطة لدى المعهد، إن زيادة سرقات المركبات ترفع عدد المطالبات التي تضطر شركات التأمين إلى دفعها، وهو ما ينعكس على أقساط التأمين التي يتحملها السائقون.

ومنذ نيسان/أبريل الماضي، أصبح حيازة الأجهزة الإلكترونية المستخدمة في سرقة المركبات جريمة يعاقب عليها القانون، لكن خبراء يرون أن التشريعات لا تزال عاجزة عن مواكبة التطور السريع في الأدوات التي تستخدمها العصابات.

ودعت مؤسسة «ثاتشام ريسيرش»، المتخصصة في أبحاث أمن المركبات، إلى تحديث اللوائح لضمان تزويد السيارات بإجراءات حماية متطورة بصورة قياسية. ومن بين الحلول المقترحة تقنيات تعطيل المفتاح الإلكتروني عند عدم استخدامه، إلى جانب تطوير أنظمة تتيح للشركات تعطيل السيارة عن بُعد بعد الإبلاغ عن سرقتها.

في المقابل، قالت جمعية مصنعي وتجار السيارات إن الشركات تتجاوز المتطلبات التنظيمية في مجال الأمان، فيما أكدت «تويوتا» أنها تعمل باستمرار على تعزيز حماية مركباتها.

وأكدت وزارة الداخلية البريطانية أنها ستواصل دعم الشرطة في مواجهة سرقات المركبات المنظمة، مشيرة إلى تخصيص 300 ألف جنيه إسترليني سنويا لتعزيز جهود مكافحة هذه الجرائم، يذهب معظمها إلى الشراكة الوطنية للحد من جرائم المركبات.

لكن عددا من الضباط الذين تحدثوا إلى «بي بي سي» رأوا أن المهارات والخبرات اللازمة لمواجهة العصابات متوافرة، وأن المشكلة الأساسية تكمن في نقص التمويل والدعم اللازمين لتحويل هذه القدرات إلى نتائج ملموسة.

السابق بريطانيا تلوّح بحظر شارات فلسطين في المدارس تحت عنوان مكافحة معاداة السامية
التالي بريطانيا تدخل المواجهة الجوية لحماية السعودية.. مقاتلات "تايفون" لاعتراض صواريخ الحوثيين ومسيّراتهم