محمد عايش

 

تبالغ وسائل الإعلام في تصوير الهزيمة التي مني بها حزب العمال البريطاني، إذ إن خسارته ليست فادحة، وانهياره ليس وشيكاً، والسبب هو أنه يتوجب قراءة ما حدث بانتخابات بريطانيا في سياقها السياسي الصحيح، الذي يختلف تماماً عن أي انتخابات عامة شهدتها البلاد في السابق.

الانتخابات الأخيرة هي «انتخابات البريكست» وأفضل التوصيفات لهذه الانتخابات هي أنها «الجولة الثانية من استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي»، ولذلك فإن التصويت كان على هذا الأساس، وانطلاقاً من هذه القاعدة، وعليه فقد تخلت كثير من مراكز القوى التقليدية لحزب العمال عنه ولم تنتخبه، لأنه ببساطة كان أحد عوامل تصاعد «أزمة البريكست» ولم يكن أحد الحلول لتلك الأزمة، كما لم يكن لدى الحزب أي خطة للخروج من الاتحاد الأوروبي، ولا خطة للتعامل مع الخروج، ولذلك فإن انتخابه بالنسبة لكثير من الناس كان يعني دعم استمرار الأزمة، أما حزب المحافظين المنافس فظهر على أنه ضحية الأزمة، التي افتعلها البرلمان، وأنه عاد للاحتكام إلى الشارع وصناديق الاقتراع من أجل الخروج من الأزمة.

قبل قرار الانتخابات المبكرة حاول رئيس الوزراء بوريس جونسون أن يُعطل البرلمان من أجل تمرير «البريكست» في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لكن البرلمان استبقه بقانون مقيد يحظر الخروج من الاتحاد الأوروبي، من دون اتفاق، بعدها رجع جونسون الى البرلمان باتفاق رفضه البرلمان، بعدها أصبحت الحكومة البريطانية عالقة بين ضرورة الخروج تنفيذاً للاستفتاء ورفض كافة صيغ الخروج المطروحة من قبل البرلمان، فحصل الاحتكام الى صناديق الاقتراع مجدداً من أجل تغيير البرلمان، وهو ما حدث فعلاً بتقديم البريطانيين دعمهم لجونسون حتى يخرج من الأزمة.

ما حدث إذن هو أن المحدد الرئيس والوحيد للناخبين كان «البريكست» وضرورة الخروج من هذه الأزمة، وعليه كانت كافة الملفات الأخرى هامشية بالنسبة للناخب البريطاني، سواء ما يتعلق بالأمن والجريمة أو حقوق الأقليات أو غير ذلك، فهذه كلها يمكن أن تؤثر في أي انتخابات عامة، ولكن ليس في هذه الانتخابات المبكرة الاستثنائية التي كانت إحدى ضرورات «البريكست». هذا كله يعني أن الناخب البريطاني، وبكل تأكيد، لم يصوت مع اليمين ولا مع التطرف ولا مع ترويج «الإسلاموفوبيا»، وإنما صوَّت مع الاستقرار والخروج من الأزمة وتمرير «البريكست» سريعاً وإنهاء حالة الفوضى السياسية التي تشغل البلاد، وتستنزف النخبة السياسية، وهي الفوضى التي أنهكت الاقتصاد أيضاً، وأدت الى هبوط الجنيه الاسترليني، ما أدى تبعاً لذلك الى ارتفاع الأسعار وزيادة نسب التضخم.

لم يصوت البريطانيون في انتخابات الـ12 من ديسمبر/كانون الأول لدعم اليمين ولم يسحبوا تأييدهم من اليسار، ولم يتكبد حزب العمال خسارة فادحة تؤدي الى الانهيار كما يحلو للبعض أن يتخيل، بل لم يفشل جيرمي كوربن أصلاً، لأن الناس لم تصوت مع أو ضد أفكار الرجل، ولا مع أو ضد القضايا التي يتبناها، وإنما يريد أغلب البريطانيين الخروج من أزمة البريكست في أسرع وقت ممكن ليس أكثر.

ربما يكون الخطأ الوحيد الذي ارتكبه حزب العمال ودفع ثمنه في هذه الانتخابات هو أنه وافق على الانتخابات المبكرة أصلاً، لأن تلك الموافقة كانت تعني دخوله في لعبة قمار بالغة الخطورة، انتهت بخسارته نحو 70 من مقاعده في البرلمان، أما الخطأ الثاني الذي يمكن أن يُلام فيه «العمال» فهو أنهم لم تكن لديهم خطة خروج واضحة من أزمة البريكست في الوقت الذي كانوا فيه جزءاً من عرقلة المسار الذي يمشي فيه المحافظون.. هذا طبعاً في الوقت الذي لا يزال فيه أغلب البريطانيين مع الخروج من الاتحاد الأوروبي لا مع البقاء فيه. أما الاعتقاد بأن البريطانيين قد انفضوا عن حزب العمال، أو أن شعبية كوربن قد تهاوت وتراجعت، أو أن الحزب في طريقه للانهيار فهذا ليس صحيحاً، كما أن الاعتقاد بأن التطرف واليمينية تتنامى في بريطانيا، وأن البريطانيين يؤيدون «الإسلاموفوبيا» فليس صحيحاً أيضاً، فضلاً عن أن الاعتقاد بأن الموقف من القضايا العربية له علاقة بنتائج الانتخابات، ليس سوى محض خيال يحلو لبعض العرب أن يتوهموا بأنه صحيح.